‏إظهار الرسائل ذات التسميات معالم دمشقية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات معالم دمشقية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 27 أبريل 2009

جدول بمساجد دمشق التاريخية

مساجد دمشق التاريخية


وفيما يلي جدول بأهم المساجد الموجودة الآن بمدينة دمشق مع بيان فترة وتاريخ إنشاء البناء القائم حالياً دون التطرق للترميمات والتوسعات الحاصلة في عهود لاحقة :


الأموي / دمشق القديمة / الدولة الأموية / 705 - 715م / المسجد الجامع لدمشق
السادات / العمارة / العهد النوري / 1143م / مدرسة وضريح ومسجد
الباشورة / الباب الصغير / العهد النوري / 1162م ؟ / مسجد
حسان / السويق / العهد النوري / 1162م / مسجد
المدرسة النورية / سوق الخياطين / العهد النوري / 1172م / مدرسة وضريح ومسجد
الجراح / الباب الصغير / العهد الأيوبي / 1182م / مسجد
فروخ شاه / زقاق الصخر / العهد الأيوبي / 1183م / مدرسة وضريح ومسجد
المدرسة الشامية البرانية / ساروجا / العهد الأيوبي / 1191م / مدرسة وضريح ومسجد
الحنابلة / الصالحية / العهد الأيوبي / 1203م / مسجد
المصلى / ميدان تحتاني / العهد الأيوبي / 1209م / مسجد
المدرسة الماردانية / الجسر الأبيض / العهد الأيوبي / 1213م / مدرسة وضريح ومسجد
المدرسة الركنية / ركن الدين / العهد الأيوبي / 1227م / مدرسة وضريح ومسجد
عز الدين / التجهيز / العهد الأيوبي / 1229م / مدرسة وضريح ومسجد
الأقصاب / شارع الملك فيصل / العهد الأيوبي / 1230م ؟ / مسجد وضريح
دار الحديث الأشرفية / العصرونية / العهد الأيوبي / 1233م / مدرسة ومسجد
التوبة / ساروجا / العهد الأيوبي / 1235م / مسجد
الجديد / الصالحية / العهد الأيوبي / 1237م / مسجد وضريح
المدرسة الأتابكية / الصالحية / العهد الأيوبي / 1242م / مدرسة ومسجد
المدرسة البادرائية/ العمارة الجوانية / العهد الأيوبي / 1256م / مدرسة ومسجد
المدرسة المرشدية / الصالحية / العهد الأيوبي / 1256م / مسجد وضريح
الأفرام المهاجرين / الدولة المملوكية / 1306م / مسجد
البريدي السويقة الدولة المملوكية / 1308م / مسجد
تنكز / شارع النصر / الدولة المملوكية / 1318م / مسجد وضريح
الكريمي / الميدان الفوقاني / الدولة المملوكية / 1318م / مسجد
تنكز / شارع النصر / الدولة المملوكية / 1318م / مسجد وضريح
السنجقدار / شارع الثورة / الدولة المملوكية / 1349م / مسجد وضريح
السلحدار / صهيب باب المصلى / الدولة المملوكية / 1349م / مسجد وضريح
الشحم / شارع مدحت باشا / الدولة المملوكية / 1368م / مسجد
الطاووسية / البحصة / الدولة المملوكية / 1388م / مدرسة وضريح ومسجد
التينبية / الميدان الفوقاني / الدولة المملوكية / 1396م / مسجد وضريح
المؤيد / شارع الملك فيصل / الدولة المملوكية / 1400م / مسجد
المدرسة الفارسية / البزورية / الدولة المملوكية / 1405م / مدرسة وضريح ومسجد
منجك / ميدان - جزماتية / الدولة المملوكية / 1407م / مسجد
السقيفة / باب توما / الدولة المملوكية / 1411م / مسجد
بلبان / ساروجا / الدولة المملوكية / 1416م / مسجد وضريح
التوريزي / قبر عاتكة / الدولة المملوكية / 1420م / مسجد وضريح
المزار / الشاغور / الدولة المملوكية / 1420م ؟ / مسجد
الورد / ساروجا / الدولة المملوكية / 1426م / مسجد وضريح
هشام / شارع مدحت باشا / الدولة المملوكية / 1427م / مسجد وضريح
الجوزة / العمارة البرانية / الدولة المملوكية / 1427م / مسجد
دار القرآن الدالامية / الصالحية / الدولة المملوكية / 1443م / مدرسة وضريح ومسجد
القلعي / شارع مدحت باشا / الدولة المملوكية / 1450م ؟ / مسجد
المدرسة الشاذبكية / شارع النصر - شابكلية الدولة المملوكية / 1453م / مدرسة وضريح ومسجد
المعلق / شارع الملك فيصل / الدولة المملوكية / 1458م /مسجد
دار القرآن الصابونية / الباب الصغير / الدولة المملوكية / 1464م / مدرسة وضريح ومسجد
البزوري قبر عاتكة / الدولة المملوكية / 1478م / مسجد
الحيواطية / قبر عاتكة / الدولة المملوكية / 1480م / مسجد
المدرسة السيبائية / الدرويشية / الدولة المملوكية / 1515م / مدرسة وضريح ومسجد
الشيخ محي الدين / الصالحية / الدولة العثمانية / 1518م / مسجد وضريح
الصمادية / الباب الصغير / الدولة العثمانية / 1526م / مدرسة ومسجد
التكية السليمانية / الحلبوني / الدولة العثمانية / 1559م / مدرسة ومسجد
سنان أغا / المناخلية / الدولة العثمانية / 1562م/ مسجد وضريح
مراد باشا / السويقة / الدولة العثمانية / 1568م / مسجد وضريح
الدرويشية / الدرويشية / الدولة العثمانية / 1574م / مسجد وضريح
الياغوشية / الشاغور الجواني / الدولة العثمانية / 1587م / مسجد
سنان باشا / السنانية / الدولة العثمانية / 1591م / مسجد وضريح
أُبي بن كعب / الباب الشرقي / الدولة العثمانية / 1621م / مسجد وضريح
المرادي ساروجا / الدولة العثمانية / 1696م / مدرسة وضريح ومسجد
القاري حي الخراب / الدولة العثمانية / 1697م / مسجد
الخياطين / سوق الخياطين / الدولة العثمانية / 1728م / مسجد
النابلسي / الصالحية / الدولة العثمانية / 1732م / مسجد وضريح
المدرسة الفتحية / القيمرية / الدولة العثمانية / 1742م / مدرسة ومسجد
يونس أغا / ركن الدين / الدولة العثمانية / 1857م / مسجد
الغواص /الميدان /الدولة العثمانية / 1878م / مسجد وضريح
أبي عصية / القنوات - تعديل / الدولة العثمانية / 1884م/ مسجد وضريح
شمدين / ركن الدين / الدولة العثمانية / 1891م / مسجد
الشمسية / المهاجرين / الدولة العثمانية / 1893م / مسجد
نافذ أفندي / المهاجرين / الدولة العثمانية / 1898م / مسجد
حمو ليلا / ركن الدين / الدولة العثمانية / 1899م / مسجد
الجراح / المهاجرين / الدولة العثمانية / 1912م / مسجد

الجمعة، 8 أغسطس 2008

قصر العظم








يقع قصر العظم عند سوق البزورية إلى الجنوب من الجامع الأموي. شيده الوالي أسعد باشا العظم سنة 1749م فوق جزء من معبدجوبتر الروماني. استغرق بناء القصر ثلاث سنوات, حيث جند أسعد باشا أمهر الصناع و العمال, فجاء القصر آية في الإبداع و حسن العمارة و الفخامة و جمال الزخارف و النقوش, و قسم إلى قسم السلملك (لاستقبال الزوار) و الحرملك (قسم النساء والمعيشة).





زار هذا القصر إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني عام 1898م, و اتخذه المفوض السامي الفرنسي الجنرال سراي مقرا لإقامته في بدايات الاحتلال.
عندما قذفت القوات الفرنسية مدينة دمشق بالقنابل, لإخماد الثورة السورية الكبرى, أصيب قصر العظم و تهدم جزء كبير منه فأعيد ترميمه إلى ما كان عليه في السابق و صار متحفا للتقاليد الشعبية عام 1954م.

قصر الخضراء



لم يعرف لمعاوية بن أبي سفيان 41-61ه/661-680م من القصور إلا قصر الخضراء الذي بناه أيام ولايته على الشام، كدار للإمارة يقع قبلي المسجد، وبنى فيه قبة خضراء فعرفت الدار بكاملها بهذا الاسم، وسكنها معاوية أربعين سنة كما يقول ابن كثير. ولعل قصر معاوية أقيم على أنقاض قصر قديم، ويذكر ابن عساكر "أن الخضراء التي فيها معاوية من بناء أهل الجاهلية، من البناء القديم".وموقع القصر في المكان المحاذي لجدار الجامع الأموي من الجهة الجنوبية، ولقد كان القصر يتصل بحرم الجامع من خلال باب يطلق عليه اسم باب الخضراء وهو في الأصل أحد الفتحات الثلاثة لمعبد جوبيتر.ويعدّ قصر معاوية أول قصر عربي يشاد في بلاد الشام، ولقد أصابه الخراب بعد زوال العصر الأموي من الشام، ثم التهمته النار في عصر الفاطميين كما يروي ابن كثير الذي يذكر: "ألقيت نار بدار الملك وهي الخضراء المتاخمة للجامع من جهة القبلة فاحترقت".وبقيت المنطقة التي كان فيها القصر تحمل اسم الخضراء. حتى أقيم على جزء منها عام 1163ه/1749م قصر العظم الذي مازال حتى الآن مستعملاً كمتحف للتقاليد الشعبية، وأجريت التنقيبات الأثرية في تلك المنطقة للتعرف على آثار الخضراء. وهكذا فإننا لا نعرف عن هذا القصر إلا الملامح التالية؛ موقعه المؤكد الذي سبق عرضه. قبته الخضراء التي شملت تسميتها القصر والمنطقة. قيامه المحتمل على قصر سابق للإسلام. مادة بنائه وهي الحجارة كما ذكر ابن عساكر.وعدا هذه الملامح تروي الأخبار أنه كان قصراً تحف به حدائق غناء ويطل على السهل المخصب النضر الممتد إلى الجنوب الغربي، حتى جبل الشيخ المعمم بالثلج. ويتحدث صاحب الأغاني في هذا القصر عن كرسي الخلافة وهو مربع الجوانب تستره الوسائد المطرزة الفخمة. ولعل ميسون زوجة معاوية وأكثرهن حظوة لديه، كانت قد أقامت في هذا القصر المنيف، ولكنها عبرت عن حنينها المستمر للبادية بأبيات منسوبة إليها:لبيت تخفق الأرواح فيه أحب إليَّ من قصر منيفِولبس عباءة وتقر عيني أحب إليَّ من لبس الشفوفِ
وكان لمعاوية وأولاده منازل في بحيرة طبرية مثل الصنّبرة التي أقام فيها عبد الملك فيما بعد.والخلاصة يقع قصر الخضراء قرب الجامع الأموي الكبير من جهة الجنوب وهي الجهة القبلية في الجامع، ومازالت المنطقة هناك تعرف بالخضراء حتى اليوم، والقصر كان متاخماً لجدار الجامع، بل إن الخليفة كان يدخل مباشرة إلى الجامع من قصره خلال بوابة مازالت قائمة حتى اليوم.هكذا فإن قصر الخضراء كان مسكناً للخليفة، ولكن الدواوين انتشرت حول المسجد من جهة الغرب وشغلت الأروقة التي كانت تحيط المعبد الروماني القديم، بل لقد أنشئت أروقة أخرى مازالت قائمة عند مدخل الجامع الكبير، إن بيت المال وديوان البريد وغيرها كانت تشغل هذه الأروقة، أما مجلس الخليفة فكان في القاعة أو القاعتين الواقعتين في الجهة الغربية من الجامع.ومازالت المنطقة التي كان القصر قائماً فيها تسمى الخضراء حتى اليوم. ولقد أجري فيها تنقيب أثري للكشف عن معالم قصر الخضراء. وثمة رواية تاريخية ذكرها ابن عساكر في تاريخه عن دمشق، يقول فيها إن معاوية بنى عمارته بالطوب، فلما فرغ منها، قدم عليه رسول ملك الروم، فنظر إليها فقال معاوية: كيف ترى هذا البنيان. قال: "أما أعلاه فللعصافير، وأما أسفله فللنار. قال: فنقضها معاوية وبناها من الحجارة". وأصبحت قصر الحكم الأموي الأول.ويذكر ابن خلدون في مقدمته أن معاوية هو أول من اتخذ سرير الملك. مستمداً مما وصفه صاحب الأغاني الذي ذكر "أنه في هذا القصر كرسي الخلافة وهو مربع الجوانب تستره الوسائد المطرزة الفخمة"، مما لم تألفه العرب، حتى أن عمر بن الخطاب كتب إليه مستنكراً وقال له: أقيصرية يا معاوية. وقد أخذ على معاوية. أيضاً أنه أحدث في الجامع الكبير مقصورة هي الأولى في بناء الجوامع، وجعلها مقاماً للصلاة خاصاً به.لقد بقي قصر الخضراء قائماً يستعمله الخلفاء الأمويون، فلقد اشترى عبد الملك بن مروان هذا القصر من خالد بن يزيد بن معاوية، وجعله دار الإمارة كما يروي ابن عساكر، وكان الثمن "أربعين ألف دينار وأربع ضياع بأربعة أجناد من الشام". ثم جعله العباسيون داراً للشرطة وضرب النقود ولعله رمم فيما بعد، إذ أن المؤرخين يتحدثون عن حريقه في أيام الفاطميين عندما احترق الجامع الأموي في ذلك الوقت. ويقول ابن كثير "وبادت الخضراء فصارت كوماً من تراب بعدما كانت في غاية الإحكام والإتقان وطيب الغناء ونزهة المجلس وحسن النظر".

قصر الخلافة في دمشق







عندما فتح العرب المسلمون دمشق سنة 14ه/635 - 636م بقيادة خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح كانت دمشق من المدن الكبرى التي كانت تحت حكم البيزنطيين، وكان سكانها من أصول عرب الشمال الذين دانوا بالمسيحية أو استمروا على وثنيتهم التي كانوا عليها في ظل أجدادهم الآراميين الذين آمنوا بالإله حدد إله الخصب والمطر، وأقاموا له معبداً كان يقع في مركز المدينة، وعندما استولى الرومان على دمشق أقاموا فيها معبد جوبيتر الدمشقي، وهذا المعبد مؤلف من هيكل مرفوع على أعمدة رومانية وسقفه جملون مرتفع، حوله سور ينفتح على الخارج من خلال بوابتين، واحدة من الشرق وأخرى من الغرب، وثمة باب ضخم ثلاثي الفتحات مازال قائماً حتى اليوم من جهة الجنوب، محتفظاً بزخارفه الرومانية القديمة مع جزء من السور الجنوبي القديم.



ويحيط هذا السور سور آخر أوسع أبعاداً، يحدد المنطقة الحرام للمعبد. ولكن هذا السور المحيط يحوي من داخله مقاصير كبيرة، كانت تستخدم لأغراض مختلفة، بعضها وثني وأكثرها للخدمات العامة، ولقد تعرف الأثريون على الشكل الحقيقي للمعبد الداخلي بعد أن تمت دراسة معبد مماثل في منطقة حصن سليمان قرب الساحل السوري. مازال قائماً واضحاً.إثر هزة أرضية هدمت معبد جوبيتر الدمشقي وأصبحت جدران المعبد أنقاضاً، ما عدا قسم من جداره الجنوبي الذي يحوي الباب الثلاثي الفتحات كما تحدثنا. ولقد حافظ الهيكل على شكله رغم بعض ما لحقه من خراب، كذلك السور الخارجي، فلقد بقي سالماً منه القسم الشمالي الغربي.



وفي العصر البيزنطي الذي تلا العصر الروماني أعيد استعمال الهيكل بعد ترميمه، لكي يصبح أقدم كنيسة في بلاد الشام، هكذا كان شأن البيزنطيين، فإنهم استعملوا جميع اليازيليكات الرومانية لكي توظف كنائس للعبادة، وقلما أضافوا إليها منشآت أخرى، فقد كان أغلبها بحالة سليمة.ولقد استقبل السكان في دمشق وحمص خاصة، العرب المسلمين استقبال الأخ لأخيه، على الرغم أن الديانة المسيحية التي رعتها الكنيسة البيزنطية كانت شائعة بينهم. وتوطدت أواصر التعاون والمحبة بين سكان دمشق وبين الفاتحين فأصبح منهم من تولى شؤون جباية الخراج، أو كان نديماً أو طبيباً خاصاً للخليفة.


وعندما ولى الخليفة عمر بن الخطاب معاوية بن أبي سفيان على دمشق، استطاع بحنكته ومرونته أن يقرب السكان إليه، وأن يستعين بهم في تكوين سلطة عربية وطيدة.لم يكن لمعاوية خيار في تغيير شكل الحكم، فلقد وجد نفسه أمام حضارة متقدمة تتمثل في منشآت ضخمة وفي ثقافة متطورة، ولقد استعان جيداً بمكتسبات هذه المدينة الحضارية، ولكنه مع ذلك لم يستطع تجاوز المصالح الخاصة بالسكان الأصليين، ولم يستعمل المنشآت التي كانت لهم، فأبقى على الهيكل الروماني المرمم والذي كان يستعمل كنيسة للمسيحيين، وأخذ يصلي في الزاوية الجنوبية الشرقية من السور الداخلي المتهدم، وكان مهجوراً منذ عصر الرومان، ولعله رمم هذا القسم فجعله مسجداً، تماماً كما فعل في القدس وقد ضمت إليه بعد وفاة أخيه يزيد، فلقد أنشأ مسجد عمر في قسم مهجور من كنيسة قديمة ثم أقيم مكانه المسجد الأقصى.
لسنا ندري شكل هذين المسجدين، ولكننا نجزم أنهما كانا أشبه برواقين بسيطين، أعيد في إنشائهما استعمال بعض الأحجار المتناثرة من أنقاض المعبد الروماني القديم.لقد كانت دمشق تزهو بآثار الماضي المتمثلة بأنقاض المعبد الروماني وسوره الخارجي، وكانت أطلال هذا المعبد والسور تبدو ماثلة شاخصة تشبه في ذلك آثار مدينة تدمر أو بعلبك، حتى أصبح يطلق عليها اسم "ذات العماد" وبعض المفسرين يعتقد أن ما ورد في الآية الكريمة (ارم ذات العماد التي ليس مثلها في البلاد( هي دمشق الآرامية في زمن الفتح العربي الإسلامي.ومع أن ثمة قصر قديم "كاستروم" كان قائماً في الجهة الشمالية الغربية من أسوار دمشق، أنشأه الرومان واستعمله الحكام في العصر البيزنطي، فإن معاوية بن أبي سفيان، ومنذ أن كان والياً، فضل إنشاء مسكن بسيط محاذٍ للمسجد، ليكون مقراً له ومركزاً لإدارة الدولة وممارسة القضاء بين الناس. لقد أقام بيته هذا، على غرار بيت الرسول الذي أنشأه محاذياً لمسجده في المدينة المنورة، ولا نعرف أبعاد هذا البيت، ولكنه ولا شك كان أولاً بسيطاً أنشئ من الطين، ولعله وبعد أن تولى معاوية الخلافة، قام بتقوية هذا البيت فأنشأه من الحجر، مستعملاً الأحجار القديمة التي كانت متناثرة حول الجامع، وأنشأ لبيته هذا قبة لونت باللون الأخضر، وهكذا أطلق على هذا القصر لقب الخضراء نسبة لقبته.وكان القصر يتصل بالجامع الذي كان يصلي فيه المسلمون في عصر معاوية، من خلال الباب الثلاثي الذي حمل اسم باب الخضراء. واستمر كذلك حتى أنشئ الجامع الأموي الكبير في عصر الوليد، فأصبح مقراً منفصلاً عن دواوين الحكمومع أننا نعرف أن معاوية أحدث ما يشبه الديوان للخراج والشرطة، ولكن مفهوم الديوان أخذ بعده الكامل في عصر عبد الملك بن مروان وأولاده من الخلفاء.. إذ توسعت رقعة الإمبراطورية العربية فوصلت إلى نهر الإندس شرقاً وإلى جبال البيرنه غرباً وإلى ما وراء النهر شمالاً، فكان لا بد من الدواوين وبخاصة ديوان البريد وديوان الشرط وديوان الخراج.ولقد عدد المؤرخون أسماء من ولّي الدواوين، ونستطيع أن نذكر أمثلة على ذلك، فإن ولاة الدواوين في عصر هشام بن عبد الملك، كانوا من أهل دمشق أو من الموالي، منهم عقبة بن عبد الأعلى القلاعي للشرطة وأسامة بن زيد للخراج والجند والربيع بن شابور للخاتم وعبد الله بن عمرو للخزائن وبيوت المال، وثمة ولاة آخرون للصلاة ولرسائل العمال، وللحرس وللخاتم الصغير والخاصة. وكان لا بد لهذه الدواوين من مقر يجمعها لكي تشكل ما يسمى بقصر الحكم والخلافة. فأين أصبح هذا القصر وكيف كانت عمارته؟إن السور الخارجي للمعبد الواسع والذي تبلغ أبعاده 380×310م، كان يضم مجالاً واسعاً يقع بين السورين. وفي هذا المجال كان الناس يتحركون للاتصال بالدواوين، التي استقرت في الأروقة التي كانت سوقاً في عصر الرومان يمتد مائة وعشرين متراً. ويبدو أن صفاً آخر من الأروقة أنشئ خارج السور الخارجي من الجهة الغربية والشمالية تشهد عليه الأروقة التي مازالت قائمة في مدخل الجامع الأموي الكبير، وأن مادة الإنشاء كانت الأعمدة والأحجار التي كانت أكواماً حول الجامع. كما تشهد على المخازن القديمة الآثار التي نراها في منطقة باب البريد غرباً وباب جيرون شرقاً.إن تسمية بعض المناطق التي كانت تقام عليها الأروقة باسم بين السورين والبريد أو الصاغة حتى يومنا هذا، واستعمالها إلى وقت قريب لأغراض متفقة مع التسمية يؤكد وظائفها الديوانية القديمة، بل إن بعضها استخدم لكي يكون مشفى أو مركزاً عاماً أو مدرسة كما تم في عصر الوليد بن عبد الملك.


على أن الصالات الكبرى التي كان يستقبل فيها الخليفة الوفود والرعية لم تكن في قصر الخضراء الذي استمر بيتاً خاصاً للخليفة، ولم تكن في الأروقة التي استعملت للدواوين، بل كانت في المشاهد التابعة للجامع الأموي الكبير. فمنذ أن أنشأ الوليد هذا الجامع، وسّع حدوده من الجانبين لكي ينشئ أربع مآذن ضخمة تتصل من الشرق والغرب بمشهدين، أي صالتين ضخمتين على جانبي المدخل الشرقي والمدخل الغربي، وفي هذه الصالات كان الخليفة يقيم ديوانه العام. وفي هذه الصالات استقبل الخليفة الوليد بن عبد الملك مع أخيه سليمان جحافل الأسرى وقوافل المكاسب الحربية، يقودهم موسى بن نصير وطارق بن زياد وقد عادوا بعد فتح الأندلس، وكان من الأسرى أفراد الأسرة المالكة القوطية. ويسهب المقري في وصف هذا المشهد الرائع الذي يدل على انتصار تاريخي من انتصارات العرب على الغرب.إن هذه الصالات التي تسمى اليوم المشاهد، مازال أحدها يستعمل حتى اليوم لاستقبال الوفود المحتفية بالأعياد الدينية التي يحضرها رئيس الجمهورية وكبار المسؤولين. ومازالت قائمة آثار الأروقة التي كانت تأوي دواوين الدولة عندما كانت دمشق عاصمة الدولة الإسلامية الموحدة والممتدة من الصين إلى المحيط الأطلسي.وهكذا نستطيع الإجابة عن سؤال مآله؛ إذا لم تكن القصور الأموية في البادية الشامية، معدة لاحتواء الدواوين، وإذا كانت بعيدة عن مراكز المدن وعن العاصمة دمشق البعد المعروف، فأين هو مقر هذه الدواوين، أين هي دار الخلافة أو الإمارة في عصر الأمويين. والدراسة الميدانية التي أجريناها تحدد أبعاد وطبيعة المنشآت التي احتوت دار الحكم الأموي في دمشق، وكانت مجهولة مبهمة غير محددة.

الأحد، 6 يوليو 2008

المدارس القديمة في دمشق

المدارس القديمة


كانت منطقة الصالحية في دمشق موئلاً لعدد ضخم من المدارس أنشئت في العصر المملوكي والعثماني، ولقد زال أكثر هذه المدارس التي ذكرت في كتاب النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس. ومازالت في دمشق بعض المدارس نذكر منها تسعة:
المدرسة الظاهرية - المدرسة العادلية الكبرى - المدرسة الشافعية - المدرسة الصاحبية - المدرسة الركنية - المدرسة الحافظية والمدرسة العزيزية. والمدرسة البادرائية 655ه/1257م وتقع شمال شرقي الجامع الكبير والمدرسة القليجية 645ه/1247م وكانت داراً وجعلها الأمير سيف الدين بن تميم النوري مدرسة وفيها دفن.
والمدرسة الأتابكية (التابتية) في الصالحية والمدرسة الأشرفية البرانية أنشأها الملك الأشرف موسى وهي دار للحديث، وبنى دار الأشرفية في العصرونية 630ه/1232م، والمدرسة المرشدية في الصالحية 654ه/1256م، وفيها مدفن ابنة الملك المعظم عيسى. والمدرسة الناصرية في محلة العمارة 654ه/1256م أنشأها الملك الناصر يوسف حفيد صلاح الدين الأيوبي. والمدرسة العادلية الصغرى في محلة العصرونية والمدرسة اليغمورية في الصالحية 647هـ 1249م والمدرسة الماردانية في الجسر الأبيض 610ه/1213م أنشأتها زوجة صاحب ماردين الملك المعظم عيسى، والمدرسة الفروخشاهية 579ه/1182م وتقع في نهاية شارع الجلاء والمدرسة العزية لعز الدين أيبك 626ه/1228م نائب صلخد وفيها دفن. والمدرسة الشبلية 623ه1226م ومازالت بدون قبة. والمدرسة الجهاركسية في الصالحية ولها قبتان دفن فيها فخر الدين جهاركس 608ه/1210م. والمدرسة البدرية، وهي بحالة جيدة مع قبتها المحززة وزخارفها الداخلية.

المدرسة الصاحبية في الصالحية: أنشأت هذه المدرسة ربيعة خاتون أخت السلطان صلاح الدين وتلقب بالصاحبة في سنة 628هـ/231م وفيها دفنت، ويمتاز بابها الفخم المزين بمقرفصات حجرية. وهي مؤلفة من باحة ذات أربعة أواوين أحدها يشكل المدخل.

المدرسة النورية: أنشئت هذه المدرسة في دمشق ضمن الأسوار سنة 567ه/1172م وتضم قبر نور الدين محمود بن زنكي الذي توفي سنة 569ه/1174م وتمتاز قبة القبر بطابعها السلجوقي، فهي مؤلفة من مقرنصات متوضعة من الخارج والداخل. وتتصل غرفة مقام نور الدين بصحن المدرسة، التي كانت تحيطها عقود الأواوين، وفي وسط الصحن بركة تتصل بفسقية مزخرفة كانت في حائط الإيوان الغربي. ومازالت واجهة المدرسة سليمة.

المدرسة الركنية البرانية: أنشأ هذه المدرسة الأمير ركن الدين منكورس سنة 625ه/1224م. وهي مؤلفة من حرم وصحن مربع مسقوف بقبة وفي وسطه بركة ماء صغيرة، وفي الجهة الغربية خارج المدرسة أقيمت تربة الأمير وهي مربعة تغطيها قبة محززة محمولة على رقبة مضلعة مع صفين من النوافذ.

المدرسة العزيزية: وتقع جوار الجامع الأموي إلى الشمال بناها الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبي سنة 592ه/1195م، ولم يبق من هذه المدرسة إلا قاعة تضم قبر السلطان صلاح الدين الأيوبي. وتعلو هذه القاعة قبة محززه ذات رقبة. ولقد رممت، والقاعة مكسوة من الداخل بألواح القيشاني من الصناعة الدمشقية،سنة 1037ه/1627م.

المدرسة العادلية الكبرى: أنشأها الملك العادل سيف الدين بن أيوب سنة 612ه/1215م وأكملها ابنه المعظم عيسى سنة 619ه/1222م وهي مؤلفة من واجهة شرقية يؤدي بابها إلى دهليز واسع مسقوف بقبوة، ويأتي بعده باب آخر ينفتح على إيوان مطل على صحن المدرسة. وثمة باب في الجنوب يؤدي إلى مدفن الملك العادل، وباب من الشمال يؤدي بسلّم إلى الطابق العلوي.
وفي الصحن المربع إيوان كبير من الشمال، وثمة غرف كانت في جهة الغرب. وواجهة المدرسة مبنية من الحجر الكلسي النحتي، ينتهي في الأعلى بطنف. أما البوابة فهي غنية بهندستها وزخارفها، وهي حنية عالية يغطيها عقد حجري في وسطه حجر مدلّى طوله 2.20م على طرفيه قوسان مفصصان ثلاثيان، وللباب إطار حجري بمداميك ملونة مع إطار آخر ذي قوالب زخرفية. ولقد غطيت أرض الصحن بحجارة ذات ترتيب زخرفي شطرنجي في وسطها بركة ماء مربعة.

ويضم المدفن رفاة الملك العادل أخي صلاح الدين وتعلوها قبة محمولة على عقود جدارية، وزينت زوايا الفناء بأركان من المقرنصات بينها أربعة مجاميع من النوافذ. وتغطي المدفن قبة عالية وفي المقبرة محراب للصلاة.

المدرسة الجقمقية: تقع هذه المدرسة قرب الباب الشمالي للجامع الأموي أنشأها نائب السلطان المملوكي الأمير سيف الدين جقمق سنة 822ه/1419م وهي مدرسة وخانقاه وتربة له ولوالدته. واستمرت المدرسة تعمل حتى أصيبت بقنابل الفرنسيين 1941 ثم رممت واصبحت متحفاً للخط العربي. والمدرسة بأبعاد 18×16م وهي مؤلفة من مدخل مزود بباب ودهليز ومن أربعة أواوين وتربة في الزاوية الشمالية الشرقية.
وللمدرسة مدخلان جميلان مزخرفان وواجهاتها من الحجر بلونين مع شريط من الحجارة المتداخلة ثم شريط كتابي تأريخي. وفي أعلى الواجهتين شريط زخرفي مؤلف من محاريب وشراشف ملونة، مع رنك للأمير جقمق، ويزين جدران الأواوين وقاعة الصلاة زخارف رخامية من الرقش والخطوط تتخلل المحراب وخزائن الكتب والشبابيك المفتوحة إلى الخارج، كما زينت السقوف بالخشب المزخرف الملون. وتعد هذه المدرسة بعمارتها وزخارفها آية الفن المملوكي.

المدرسة الظاهرية: كانت داراً للشريف العقيقي حولت إلى مدرسة حيث شيد في الزاوية الجنوبية الغربية منها تربة للملك الظاهر بيبرس الذي توفي عام 676ه/1277م. ثم دفن ابنه فيها من بعده. ومازالت المقبرة قائمة تعلوها قبة نصف كروية وتزين جدرانها ألواح الفسيفساء كما تزين أبوابها ونوافذها زخارف حجرية ومقرنصات. ومازال مدخل المدرسة الفخم بصيوانه العالي المقرنص والكتابات التأريخية بخط الثلث محفورة على أحجار الواجهة.


التكية

أما المسجد فيقع في منتصف القسم القبلي أي الجنوبي من الصحن، وهو حرم، وصحن هو صحن التكية المشترك. وهذا الحرم مربع الشكل طول ضلعه ستة عشر متراً تغطيه قبة عالية ذات قطر واسع ذات عنق مؤلف من عدد من النوافذ ذات الزجاج المعشق ويحمل القبة أربعة أقواس محمولة على أركان الجدران في زواياها مثلثات كروية، ويعلو جدران الحرم نوافذ كانت محلاة بالمعشق. أما واجهات الحرم من الخارج فهي مؤلفة من مداميك من الحجر الأبيض والأسود بشكل متناوب، وهو طابع جميع جدران هذه التكية. ولعل هذا التشكيل البديع كان مطابقاً لتشكيل المباني المملوكية، وبخاصة قصر الأبلق الذي كان قد أنشأه الملك الظاهر بيبرس، وهدمه تيمورلنك وكان السلطان سليمان قد أعاد استعمال حجارته في موقع التكية نفسه وتم إنشاء التكية في عام 927م /1559 م.
لقد أشرف على بناء هذه التكية الرائعة المهندس الدمشقي العطار، ولكن تصميم البناء يعود إلى المعمار الشهير سنان 1489-1588م الذي رافق السلطان سليم في زيارته إلى بلاد الشام ومصر عند الفتح العثماني.
ويبدو تأثير المعمار سنان واضحاً في شكل القباب وفي شكل المئذنتين الواقعتين في زاويتي الجدار الشمالي للمسجد، وهما مضلعتان ولكن تبدوان أسطوانيتين يعلوهما قمع مخروطي من الرصاص، ولكل مئذنة شرفة محمولة على مساند من المقرنصات. وفي داخل المسجد محراب تعلوه زخارف حجرية مقرنصة وإلى جانبه منبر رخامي.
وينفتح حرم المسجد على الصحن بباب رائع الزخرفة يتقدمه مظلة ضخمة محمولة على أعمدة ذات تيجان مقرنصة ملساء، والمظلة مؤلفة من ثلاث قباب ويتقدم المظلة رواق أقل ارتفاعاً محمول على قناطر ذات أعمدة ضخمة.
ومدرسة التكية إلى الشرق، بناء مستقل لمسجد خاص بها يمتاز بزخارفه الوفيرة، ورشاقة بنائه، وجمال بابه ونوافذه.
إن أروع ما يميز هذه التكية هو الزخارف التي تعلو الأبواب والنوافذ، أو التي تزين جدران المسجدين من الداخل على شكل سجاجيد، وهذه الزخارف مؤلفة من ألواح خزفية صنعت كلها في دمشق، وهي ذات مواضع زخرفية نباتية وكتابات قرآنية، بلونين؛ الأزرق والأخضر وبعض اللون الأحمر الرمّاني، الذي امتازت به ألواح الخزف الدمشقي والتي يميزها عن الخزف التركي.
أما المدرسة والسوق، فلقد شكلتا مجموعتين مستقلتين عن التكية وأن وحّدتهما الزخارف والقباب والأروقة. وتستعملان اليوم سوقاً للفنون اليدوية. أما أبنية التكية - عدا الجامع - فلقد استعملت مؤقتاً متحفاً حربياً وسينقل قريباً إلى بنائه الجديد.
إن هذه التكية التي أنجزت في عصر السلطان سليمان كان قد أمر ببنائها أولاً والده السلطان سليم فاتح الشام ومصر. وكان السلطان سليم قد أمر منذ دخوله دمشق بإنشاء مسجد إلى جانب تكية وتربة، ومازالت هذه المجموعة من الأبنية قائمة في سفح قاسيون تزودها بالماء ناعورة فريدة بنوعها وآليتها. وتمتاز زخارف هذه المجموعة بألواح الخزف الدمشقي.

مجمع الدرويشية:
هي مجموعة من الأبنية مؤلفة من مسجد وتربة ومدرسة وسبيل وقد أنشأها والي دمشق درويش باشا رستم سنة 979ه/1571م وهي مشهورة بألواح الخزف الدمشقي التي تغطي أكثر جدرانها الداخلية، في المسجد والتربة والسبيل. طراز عمارة هذه المجموعة عثماني صرف.

التكية المرادية:
من المباني العثمانية الأثرية التي مازالت قائمة، تكية الوالي مراد باشا التي تم بناؤها عام 981ه/1573م، وهي مؤلفة من مسجد وتربة تضم رفاة الوالي. والمسجد مؤلف من حرم وصحن تحيطه غرف للتكية وإلى جانب الحرم مئذنة. وتسمى هذه التكية باسم النقشبندي نسبة للطريقة الصوفية المعروفة.
السليمانية: بناء ضخم في مدينة دمشق يتألف من عدد من المباني المستقلة. يحيط بها جميعاً سور مرتفع
أبعاده 125×94م، ومدخل التكية الرئيسي يقع في الشمال، تعلوه قبة محمولة على أعمدة، وثمة باب أصبح أكثر استعمالاً ينفتح من الغرب، مخترقاً الصحن ومتصلاً بباب آخر ينفتح على السوق والمدرسة. ولقد غطت الحدائق والأشجار جميع الفراغات بين الأبنية التي تتقدمها أروقة مسقوفة بقباب منخفضة وخلفها قاعات مسقوفة بقباب مماثلة أكثر ارتفاعاً يتخللها ذؤابات المداخن على شكل مآذن صغيرة، ويبدو المشهد رائعاً عندما يتناغم شكل القباب المتكرر، مع شكل الأقواس فوق أعمدة الأروقة في جميع الأبنية التي كانت تستعمل لإيواء المصلين والمتعلمين ولإطعامهم، وجميع الأبنية الواقعة في القسم الشمالي تؤكد هذه الوظائف التي ألغيت الآن.

الخانات في دمشق

الخانات في دمشق


في كتاب دمشق، مدينة إسلامية ج2/1911 للباحثين الألمانيين وولتسنغر وفاتسنغر تحقيق لمواقع المنشآت الإسلامية(11)، وفيه ورد ذكر أقدم خان في دمشق هو دار الضيافة يعود إلى عام 123ه/720م، ثم ورد اسم خان أما جور ويعود إلى عام 265ه/878م. وهذا يعني إن الخانات في دمشق أنشئت منذ العصر الأموي واستمرت إلى العصر العباسي، ثم الفاطمي حيث ورد في هذا الكتاب اسم القيسارية الفخرية التي تعود إلى عام 434ه/1042م.

لقد وردت في هذا الكتاب أيضاً أسماء خانات تعود إلى العصر الزنكي زادت عن العشرين خاناً، وأسماء خانات تعود إلى العصر الأيوبي تزيد عن هذا العدد. ولم يبق من هذه الخانات اليوم أي أثر. أما الخانات التي أنشئت في العصر المملوكي، فلقد بلغت مئة وخمسين خاناً بقي منها، خان الدكّة فقط.
إن عدد الخانات الوافر التي كانت في دمشق ومازال القليل منها باقياً، يدل على مدى ازدهار الحياة الاقتصادية والتبادل التجاري بين دمشق وغيرها من المدن السورية أو العواصم الإسلامية، وبخاصة المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، فلقد كانت مواسم الحج ذهاباً وعودة هي من أخصب المواسم وأطولها، ولقد أثرت الظروف السياسية والاقتصادية في الدول المجاورة وفي سورية، على المواسم الاقتصادية، مما نراه واضحاً في تزايد أو إهمال الخانات عبر التاريخ.


ومقابل خان أسعد باشا يقوم خان صغير يضم مجموعتين من المخازن، بينهما مازال قائماً عمود يحمل أساس عقود، مما يدل على أنه كان يحمل أعصاب قبتين تغطيان باحتي المجموعتين، وهو مؤلف من طابقين ويطلق على هذا الخان اسم خان العمود ولا يعرف تاريخه الدقيق.
وليس بعيداً عن هذا الخان، يقوم خان الصدرانية. ويختلف مخططه عن باقي الخانات، بسبب مساحة الأرض المحدودة الضيقة، ويلفت النظر بحلوله الهندسية التي أدت إلى الاستفادة من كل جزء من الأرض لإقامة المخازن والغرف حول باحة مستطيلة وحدودها ثلاثة عشر مخزناً. أما غرف الطابق العلوي فهي مهدمة ومهجورة.


خان أسعد باشا في دمشق

وثمة خان صغير يسمى الزعفرانية يشبه هندسياً خان الصدرانية وهو معاصر له.
وبلغ عدد الخانات التي أنشئت في العصر العثماني ثلاثة وثمانين خاناً، بقي منها خان المرادية وخان الجمرك وخان الزيت وخان سليمان باشا وخان أسعد باشا وخان السفرجلانية وخان الزعفرانية وخان العامود وخان الرز وخان العصرونية وخان القيشاني وخان التوتون وخان الصوّاف وخان الصنوبر وخان السلق وخان القطن وخان الجلود وخان مردم بيك وخان الجيجاوي وخان الكزبري وخان شموط وخان القوتلي، ثم وكالة العشا ووكالة كحالة.
وتفتقر أكثر الخانات إلى مصادر تاريخية، سواء منها الخانات المتبقية والماثلة حتى اليوم أو الدارسة المهدومة. وسنذكر أهم الخانات الدمشقية التي مازالت باقية وقد شملتها عمليات الترميم والتأهيل، بعد أن أهملت طويلاً. ولا بد من القول إن جميع الخانات المتبقية، مسجلة في القوائم الأثرية، وهذا يعني أنها تحت حماية السلطة الأثرية ورعايتها، ولا يجوز هدمها وتغيير أوصافها حتى ولو أرادت ذلك السلطات البلدية أو الوقفية


إن خان الدكة هو أقدم خان مازال قائماً حتى اليوم، وتسميته تعود إلى منصة حجرية فيه كانت تعرض عليها الجواري والأقنان لبيعها، ولذلك أطلق عليه أحياناً اسم خان الجواري، ويقع في سوق مدحت باشا.
وهو مؤلف من باحة مكشوفة محاطة بثمانية غرف، وثمة قاعة كبرى في الزاوية الشمالية الشرقية، ومازالت أعمدة المنصة أو الدكة قائمة في الباحة التي زالت منها البركة ذات الاثني عشر ضلعاً. وفي الدهليز الذي يعقب بوابة الخان غرفتان من كل جانب. والخان مؤلف من طابق أرضي فقط
ومن العصر المملوكي مازال خان جقمق قائماً، وكان الأمير سيف الدين جقمق نائب السلطان المملوكي في دمشق قد أنشأه عام 824ه/1421م، وهو يقع كسابقه في سوق مدحت باشا، هذا السوق الذي كان في العصر الروماني السوق الرئيسي للمدينة "دوكومانوس".
ولهذا الخان الصغير بوابة مزخرفة كبيرة، تنتهي بعد دهليز مسقوف إلى باحة مكشوفة مستطيلة، كانت لها بركة سداسية، ولقد أحيطت بغرف عددها ثمانية عشر غرفة، وفي جانبيها إيوانان من الشرق والغرب مغطيان بقبوة متصالبة. ويصعد إلى الطابق العلوي من درجين في الدهليز، وفيه اثنتان وعشرون غرفة، سقوفها كانت مقببة قبل حريق 1925م ثم أعيد بناؤها مسطحة.

أما خان الخياطين الذي أنشأه الوالي العثماني شعبان أحمد شمسي باشا سنة 960هـ/ 1553م، فإنه يقع في سوق الخياطين وكان اسمه خان الجوخية. وهو مؤلف من بوابة مزخرفة، ودهليز في طرفيه درج وقاعة واسعة، لعل أحدها كانت مطبخاً. وينتهي الدهليز بباحة مستطيلة مؤلفة من مربعين، ومحاطة برواق، ولعل الباحة كانت مغطاة بقبتين لهما أثر واضح في زوافر وأركان القباب المتبقية. ويحيط بالباحة اثنتي عشرة غرفة، كل غرفة مؤلفة من قسمين تعلو كل واحدة قبة. أما الطابق العلوي فكان مؤلفاً من عدد مماثل من الغرف التي يتقدمها رواق مقبى يدور حول الباحة ويشرف عليها. ويعدّ هذا الخان أقدم الخانات العثمانية في دمشق

أما خان الحرير الذي يقع في سوق الحرير، جنوبي الجامع الأموي الكبير، فلقد أنشأه سنة 981ه/1573م درويش باشا، ويطلق عليه اسم قيسارية درويش باشا. وقد أوقفه لصالح جامع الدرويشية وملحقاته وتبلغ مساحة هذا الخان الواسع 2500م2، وتنفتح بوابة الخان المزخرفة من طرف الواجهة المبنية من مداميك متناوبة من الحجر النحتي الأبيض والأسود، ويحيط بالخان خارجياً سبعة وعشرون مخزناً، وعندما نتجاوز البوابة وبعد اختراق الدهليز المغطى بقبتين متصالبتين، نصل إلى الباحة المكشوفة المحاطة بتسعة عشر مخزناً لكل مخزن مستودع. وفي وسط الباحة بركة. ويغطى المخازن قبوات سريرية أو متصالبة، وهي مبنية من الحجر النحتي الأسود، وفوق أبوابها ونوافذها أقواس مزينة بمنحوتات بديعة ونصعد إلى الطابق العلوي من درجتين في الدهليز، ونصل إلى رواق محيط مغطى بأربع وأربعين قبة صغيرة، وخلفه تقوم اثنتان وخمسون غرفة مغطاة بقبوات سريرية، وثمة غرفة واسعة تخرج من مخطط الخان في الزاوية الشمالية الشرقية وتقوم فوق مخزن في الطابق الأرضي في عام 1006ه/1593م وبمقتضى وقفية مراد باشا تم بناء قيسارية ابن القطان التي تسمى خان الصابون.. وخان المرادية الذي يسمى البزستان.
أما القيسارية فهي بناء صغير مؤلف من طابقين حول باحة مربعة وفي الطابق العلوي رواق مغطى بإحدى عشرة قبة


أما خان المرادية فكان موقوفاً على فقراء الحرمين الشريفين ويقع غربي الجامع الأموي. وله خمسة أبواب وهو مؤلف من بناء مربع وملحق مستطيل، ويتألف البناء المربع من باحة مربعة محاطة بأربعة وعشرين مخزناً عدا ثلاثة وعشرين مخزناً خارجياً. أما الملحق فهو دهليز يشكل مدخلاً لخان الجمرك أما خان الجمرك وهو من منشآت الوالي مراد باشا سنة 1596م فهو يختلف بمخططه عن جميع الخانات، إذ يمتد على شكل زاوية قائمة من دخلة السليمانية إلى سوق الحرير باتجاه الشرق. ولقد ورد وصفه في وقفية مراد باشا وصفاً دقيقاً مع وصف المرادية، وهو يتضمن ثلاثة وخمسين مخزناً كبيراً وثمانية مخازن صغيرة، وتقوم بين المخازن عضادات تحمل أقواساً يستند عليها تروس تحمل تسع قباب ذات رقاب ونوافذ.
ولا بد أن نتذكر خان سليمان باشا الذي يقع في سوق مدحت باشا ومبني بمداميك بيضاء وسوداء بالتناوب. وهو كباقي الخانات هندسة ويمتاز بباحة مستطيلة كانت مغطاة بقبتين زالتا ومازالت آثارهما باقية. وحول الباحة تقوم سبع عشرة غرفة ومخزن وإسطبل ودورتان للمياه.

أما الطابق العلوي فهو مؤلف من رواق مغطى بقبوات متصالبة ومحاط بتسع وعشرين غرفة ذات نوافذ من الطرفين؛ الداخلي والخارجي، ولهذا الخان أبواب ثلاثة تقع في الزاوية الجنوبية الغربية، لقد ابتدأ بناء هذا الخان بأمر الوالي سليمان باشا العظم سنة 1145ه/1732م وانتهى 1150ه/1736م. وقد ورد ذكره مستقلاً، وفي عصر ابن أخيه أسعد باشا سنة 1156ه/1743م ابتدئ ببناء خان أسعد باشا.
يستحق خان أسعد باشا بحثاً مستقلاً، فهو آبدة معمارية تفوق نظائرها في جميع أنحاء البلاد التي انتشرت فيها الخانات الإسلامية. ولقد وصفه "لامارتين" عند زيارته إلى دمشق، بكثير من الإعجاب والتقدير لصانعيه ومصمميه
أنشئ هذا الخان في عام 1156ه/1743م وانتهى بناؤه عام 1167ه/1754م وهو ملك خاص لوالي دمشق أسعد باشا العظم ثم انتقلت ملكيته فيما بعد إلى عدد من التجار، ثم استملكته مديرية الآثار مؤخراً ورمم لاستخدامه سوقاً سياحية للصناعات الشعبية.
يقع هذا الخان في سوق البزورية الشهير حيث باعة العطارة والسكاكر، إلى جانب حمام تاريخي أنشئ في عصر نور الدين بن زنكي. وتبلغ مساحة هذا الخان 2500م2، ويمتاز بواجهة عريضة في وسطها بوابة ضخمة مزخرفة، يعلوها ساكف مزخرف بقوسين بارزين متشابكين وفوقهما تجويف من المقرنصات يحيطه قوس مركب من أحجار متشابكة مسننة بلونين أبيض وأسود متناوبين، وفوقه نافذتان وعلى جانبي القوس من الأعلى نوافذ مستطيلة، ومن الأسفل فتحتان مزودتان بفسقيتين. وفي واجهة البناء الجنوبية الغربية 31 مخزناً. وبعد دهليز عريض يستوعب غرفتين للحراسة ومصعدي الدرجتين، نصل إلى باحة ذات فتحة سماوية دائرية توحي أنها كانت مغلقة بقبة، وفي وسط الباحة بركة مثمنة. وجدران الباحة التي تشكل واجهات الغرف مبنية بالحجر الأسود والأبيض بمداميك متناوبة. ويحيط الفتحة السماوية ثمانية قباب تغطي الباحة عدا مركزها بمساحة 729م2 ولقد أعيد ترميم بعض هذه القباب مؤخراً. وهي ترتفع عشرين متراً.
ويتألف هذا الخان من طابقين؛ الطابق السفلي ويحوي واحداً وعشرين مخزناً أكثرها مزوّد بمستودعات. وفي القسم الشمالي الغربي مسجد صغير ينفتح إلى خارج الخان.
ويتألف الطابق العلوي من أروقة مشرفة على الباحة، وخلفها خمسة وأربعون غرفة، وجناح للمراحيض. وجميع الغرف مغطاة بقباب صغيرة، وذات أبواب ونوافذ مازالت تحتفظ بأصالتها مع أقفالها إن واجهة هذا الخان ومشهده الداخلي يثيران الإعجاب بروعة الزخرفة والتنسيق اللوني، مع دراسة رائعة للفضاء الداخلي.


أسواق دمشق

أسواق دمشق


قديمة قديمة ، كثيرة جدا و متنوعة جدا ، مغطاة في معظمها لتحمي روادها من حر الصيف و أشعة شمسه و برد الشتاء و مطره و رياحه، يرجع معظمها إلى ما قبل العهد العثماني ، و ما أنشئ بعده تلبية للحاجات الاقتصادية و الاجتماعية للمدينة أقيم في غالبه خارج سور المدينة القديم ، بينما جددت الأسواق القديمة الرابضة داخل السور ، و أعيد بناؤها على أنقاضها كالعنقاء تنهض من رمادها .

تميزت أسواق دمشق القديمة بتخصصها ، فلكل سلعة أو صناعة أو حرفة سوقها الخاص ، و تتقارب أسواق الصناعات المتقاربة من أسواقها ، فسوق مجلدي الكتب قرب سوق باعة الكتب و قرب سوق الوراقين ، و كانت تقع كلها ، و حتى زمن قريب ، إلى الغرب من جامع الأموي ، تحت اسم المسكية ، قبل أن تنتقل حديثا كل هذه الصناعات إلى منطقة الحلبوني في مركز المدينة . في حين تراجع دور المسكية إلى بيع الكتب القديمة و بعض كتب طبخ و تنجيم وأوراد و كتب يصعب تصنيفها تضم كلمات أغاني العمالقة جنبا إلى جنب مع كتب الأوردة و الأدعية الدينية ، إضافة إلى المسابح و أشرطة تسجيل للمصحف المرتل ، و بعض عطور مختلفة الألوان في قوارير مختلفة الأحجام ،تكفي نقطة واحدة منها لنشر رائحتها ، القوية الغريبة و إنما المتشابهة في السوق كله .

تضم كل سوق حوانيت ضيقة ، تكاد لا تتسع لصاحبها ، بينما يقف الزبائن في الطريق خلف دكة خشبية تفصلهم عن البائع ، و تحدث زحاما يضيق به السوق الضيق المعتم أساسا .فيجد المارة صعوبة في شق طريقهم وسط أكوام الزبائن المتراصين أمام الدكاكين المختلفة .
الظلمة هي السمة المميزة لكل حوانيت الأسواق ، ففي سوق مغطى ، و حانوت لا يحتوي على أي نافذة تدخل نور الشمس ، يضطر الباعة إلى استعمال الإنارة الكهربائية معظم ساعات النهار .

و لكل سوق ما يميزه ، لا يحتاج الزائر إلى رؤية السلعة التي يعرضها السوق ، فهو سيعرفها بحدسه و حواسه الأخرى.

بعض الأسواق تعلن عن بضائعها بالصوت ، ففي سوق ا لنحاسين و الحدادين ، تسمع أصوات الطرق على المعدن فيها قبل أن تدخلها ،و يغرق الهواء المكتوم في دقات متناثرة يحار السامع كيف يرتبها في ذهنه لتخرج على شكل موسيقي متوازن .

و في سوق القباقية ، تصلك رائحة الخشب فيها قبل أن ترى عينك القباقيب الملونة و المختلفة المقاسات و الألوان ، المزينة بمسامير ذهبية ، بعضها مطعم بأصداف ، و بعضها الآخر مزركش برسوم لأزهار بسيطة اختارت أو اختيرت لتزهر على خشب مقطع ، في حين ترك بعضها الأخير عاطلا عن كل زينة ، مكتفيا بأداء دوره العملي بتواضع لا يخلو من تقشف .

سوق الهال ، يعلن لك عن بضائعه بقوة تصل حد الوقاحة ، رائحة الأسماك و اللحوم و مخلفاتها تزكم الأنوف ، تكاد تقنعك بالعزوف عن ولوج السوق . بل حتى قد تزين في عينك التحول إلى شخص نباتي لا يتعاطى اللحم و لامن يلتحمون ، و ستفكر مرتين قبل أن تأتي مرة ثانية إلى هذا المكان، و قد تكسب الأسواق الحديثة الرهان و تجتذبك إليها رغم ما تفتقده من ميزات السوق الرئيسي . فعلى الرغم من الرائحة فإن ما يشفع لهذا السوق طزاجة محتوياته و تنوعها ، إضافة إلى سعرها الزهيد الذي يقارب سعر الجملة ، مقارنة مع ما تضمه البقاليات الحديثة و السوبر ماركات التي تضيف إلى الأسعار مبلغا لا يستهان به كي تغطي تكاليف أناقتها المبالغ فيها و نظافتها الموعودة .

أما البزورية ، فإن تهت عنها فأنت تستطيع الوصول إليها بملاحقة روائح العطارة و البذور و الزعتر و الحناء و الزهورات المجففة ، و الشموع ، و السكاكر، و البهارات .روائح يشكل تمازجها نموذجا فريدا من رائحة عبقة تكاد تكون مرئية و ملموسة لفرط شدتها و قوة حضورها ، تنقل الزائر إلى أجوائها الخاصة و تضعه وجها لوجه أمام أحاسيس مختلطة يصعب معها تحديد الزمان الحاضر ، و تخطفه إلى بعض أزمنة مضت ، فإن حاول التملص من سحرها سكنت أنفه واعدة بمحاولات أخرى إن هو تجرأ على ولوج ساحة تأثيرها بمقاومة أضعف .
أما عن المعروضات ، فبعضها شهير بما يكفي لأن تعرفه عن بعد ، و لكن بعضها الآخر يفاجئك بغرابة شكله و اسمه الموضوع على لائحة كرتونية ، منتجات لا تعرف هل هي من أصل نباتي أو حيواني ، أو مستقدم من كواكب أخرى لحاجة ما في نفس بائعها و شاريها ، و تكاد تصدمك لافتات وضعت بخجل على جدران المحال تعلن عن فوائد يثير بعضها دهشتك من جرأة محلات تقليدية كتلك التي تمر من قربها على التعرض لموضوعات على هذه الدرجة من الخصوصية و الحميمية . لا حياء في الدين ، و لا حياء في الطب ، و لا حياء في التجارة على ما يبدو .

في الحميدية ، السوق الأشهر ، و محلاتها المتباينة بين القدم و التداعي ، و بين الأناقة و الحداثة التي تجرأت فمدت رأسها تختلس النظر على ما حواه السوق من تحف و بضائع ، يزدحم الطريق المتوسط الاتساع بزبائن من كل حدب و صوب ، في حين افترشت منتصف الطريق بسطات مختلفة لباعة لا محلات لهم ، يعيدون فرد و عرض بضائعهم بعد مرور كل دورية جعلت السلطات مهمتها الوحيدة منع هذه التجارة المرتجلة من الرواج ، في حين تنشغل الأرصفة على الطرفين بما أخرجته المحال من أحشائها من سلل و معروضات ضاق بها المكان ، و سعت إلى عرض نفسها لمزيد من الترويج و الإعلان المجاني .

أما في الأسواق المتفرعة عن الحميدية و التي يحظى كل منها باسم خاص به ، تلك الأسواق الأصغر و الأضيق و الأكثر تعرجا و بالتالي الأكثر ازدحاما ، يخرج الباعة لدعوة السيدات إلى الشراء ، كل يقف على باب دكانه يردد على مدار اليوم الجملة الشهيرة : اتفضلي يا ست ، اتفضلي يا خانم.في محاولة تقليدية للتغلب على المنافسة النشطة المحيطة ، محاطا بتبرم السيدات من الدعوة الجهرية للشراء في حين لا ترغب معظمهن سوى في الفرجة و الجس و المساومة على الأسعار .فيتجاهلن الدعوة متابعات سيرهن فرادى و جماعات ، تطير عيونهن و لا تحط إلا حين تلمح إحداهن ما يسترعي الانتباه ومن ثم التوقف و التحديق بنظرة خبير .
و النتيجة ، صار اسم السوق " سوق اتفضلي "، و غلبت الجملة الشهيرة المزعجة على اسم السوق الأصلي .

أسواق من الكثرة و التعدد ما يجعل حصرها مسألة ليست بالسهولة المتخيلة :
سوق الصوف ، سوق القطن ، سوق الحرير ، سوق الجوخ ، سوق العبي ( العباءات ) ، سوق المناخلية ، سوق الخياطين ، العصرونية ( لبيع الأدوات المنزلية بكافة أنواعها ) ، سوق الجزماتية ( بضائعها واضحة من اسمها ) سوق القاشاني ، سوق الصاغة ( لبيع المصوغات الذهبية )، سوق الخجا ( لبيع المصنوعات الجلدية ) سوق الأروام ( لبيع البضائع المستعملة ذات الوضع الجيد ) سوق الهال . سوق السلاح ، سوق الصابون ، سوق باب الجابية ( و فيه تباع المواد الغذائية من سمن و زيت و سكر و خلافه من مواد ) .

لعب تخصص هذه الأسواق في الزمن الماضي دورا هاما ، فإلى جانب تسهيل أمور البيع بالنسبة للزبائن عن طريق عرض البضائع و الصناعات الواحدة في سوق واحدة ، سهل التقارب هذا على شيوخ الحرف سيطرتهم على أبناء حرفهم و مراقبة جودة عملهم و مدى اتقانه من جهة ، و يسر عليهم توصيل أوامر و طلبات السلطة إليهم من جهة أخرى .

تقوم بين الحوانيت في كل سوق منشآت كانت ، و لا زال بعضها ، يؤدي خدمات للسوق و زبائنها ، فنرى دكاكين الحلاقين ، و المدارس القديمة ، و الخانات ، و الجوامع ، و باعة عصير ، و باعة مثلجات . بالإضافة إلى بعض حمامات جماعية و مقاه و مطاعم شعبية كانت في ما مضى تقوم بدور حيوي في عالم السوق القائم بذاته ، و اتخذت لنفسها في الزمن الحديث دورا سياحيا آخذا في الاتساع باطراد اتضحت معالمه في السنوات الأخيرة بشكل خاص .

عالم السوق ، عالم متميز . بيع و شراء ، ضجيج و حركة مستمرة .
مرآة تعكس الحياة الاقتصادية و الاجتماعية للمدينة ، فيها تشهد بعينك نماذج من كل سكانها ، و من كل زائريها و سياحها .
صحيح أن هذه الأسواق قد فقدت الكثير من أهميتها بنشوء الأسواق العصرية الحديثة ، إلا أن الأسواق القديمة استطاعت أن تبقي لنفسها على دور هام لا يمكن تجاوزه و الاستغناء عنه .و اخترعت دورا سياحيا و ثقافيا يوازي ما فقدته لحساب الحداثة و العصرنة .

الخميس، 3 يوليو 2008

دمشق في سطور

لا توجد مصادر دقيقة تشير إلى تاريخ إنشاء مدينة دمشق. لكن من المتعارف عليه أن دمشق هي أقدم مدينة مأهولة في العالم. واليوم، وبينما يدخل العالم كله ألفيته الثالثة، تدخل دمشق الشام ألفيتها السابعة.

ذكرت دمشق أول مرة في مخطوطات فرعونية قديمة تعود إلى أربعة آلاف سنة خلت. في حوالي 1200 قبل الميلاد كانت مملكة دمشق دولة قوية استطاعت أن تتحدى الامبراطورية الآشورية. إلا أن المدينة سقطت تحت سيطرة الآشوريين في النهاية عام 732 قبل الميلاد. وفي عام 333 ق.م احتلها الإسكندر الأكبر ليستمر الحكم اليوناني حتى سقوطها بأيدي الرومان عام 64 ق.م.

في عام 635 ميلادية، فتحت الجيوش العربية الإسلامية بلاد الشام، وكانت هذه بداية المرحلة الذهبية لمدينة دمشق، فقد أصبحت عام 661 عاصمة للدولة الأموية التي امتدت من الأندلس في الغرب إلى بلاد الهند في الشرق، وأضحت أهم مركز للثقافة العربية والإسلامية واستمرت في لعب هذا الدور الحضاري حتى انتقلت عاصمة الدولة الإسلامية إلى بغداد عام 750 مع وصول العباسيين إلى الخلافة.

كانت دمشق هدفاً للعديد من محاولات الغزو الخارجي، أهمها حملات الصليبيين والمغول بين القرنيين الثاني عشر والخامس عشر. في عام 1516 احتل السلطان العثماني سليم الأول بلاد الشام، واستمر الاحتلال العثماني أربعة قرون تميزت بالتراجع الفكري والحضاري والعلمي.

في نهاية الحرب العالمية الأولى تمكنت قوات الثورة العربية الكبرى من تحرير دمشق بمساعدة الإنكليز. وقامت أول حكومة سورية مستقلة فيها عام 1919 تحت قيادة الملك فيصل الأول، إلا أن بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا تخططان لاقتسام بلاد الشام بينهما، اتفقتا على وضع سوريا تحت الانتداب الفرنسي، لكن الشعب السوري اختار المقاومة.

في عام 1925 انطلقت الثورة السورية الكبرى من جبل العرب في جنوب سوريا، وجرت العديد من المعارك بين الثوار والقوات الفرنسية في بساتين الغوطة المحيطة بدمشق. قصف الفرنسيون العاصمة السورية بوحشية، مما سبب الكثير من الدمار في المدينة. وجرى عدوان فرنسي مماثل على مبنى البرلمان السوري عام 1945.

كان عام 1946 بداية لعهد جديد، فقد أصبحت سوريا جمهورية مستقلة، وطردت جميع الجيوش الأجنبية عن أراضيها. وسرعان ما أضحت دمشق أحد أهم مراكز القومية العربية الآخذة في الامتداد في ذلك الحين.

شهدت العاصمة السورية تطورات كبيرة في السنوات الخمسين الأخيرة، وتضاعف سكان المدينة عدة مرات، وهو يقدر اليوم بحوالي ثلاثة ملايين نسمة.

إن زائر دمشق سوف يشاهد فيها امتزاجاً ساحراً بين العراقة والحداثة: فالأحياء الجديدة من المدينة تتميز بالمباني ذات الطراز المعماري الحديث، بينما في المدينة القديمة تتعانق مآذن وقباب مساجد دمشق التي يربو عددها على المائتين مع البيوت الدمشقية الشهيرة ذات الطراز المعماري العربي.

تشتهر دمشق أيضاً بأسواقها ودكاكينها ومقاهيها. وأحد هذه الأسواق هو "الشارع المستقيم" الذي ورد ذكره في الكتاب المقدس. في الجامع الأموي الكبير يوجد ضريح يوحنا المعمدان (النبي يحيى عليه السلام). ويعتبر الجامع، الواقع في قلب دمشق القديمة، أشهر معالم المدينة على الإطلاق. فهذا المسجد الذي بناه الخليفة الوليد بن عبد الملك في القرن السابع للميلاد، لا يزال مثالاً حياً رائعاً لفن العمارة العربية الإسلامية. من المعالم التاريخية الأخرى في دمشق، قصر العظم وقلعة دمشق والمدارس والحمامات القديمة.

سور دمشق


سور دمشق





لقد بني سور دمشق في العهدين الإغريقي والروماني , ويبلغ طوله 1500 متر وعرضه 750 متر وتبلغ مساحة دمشق القديمة داخله 105 هكتارات . لم يتأثر أثناء الفتح العربي لدمشق عام 14 للهجرة , إلا أن انتقال الخلافة فيما بعد من دمشق إلى بغداد قلل الاهتمام والعناية به فتهدمت أجزاء منه , كما أن العباسسين أنفسه قاموا بهدم أجزاء منه حين دخولهم دمشق, لكن السلطان نور الدين الشهيد أعاد بناء السور ورممه وبنى عليه الأبراج الدفاعية, كما قام ببناء سور مزدوج في المنطقة الممتدة من باب السلام وباب توما حتى الباب الشرقي بحيث أصبحت المنطقة الواقعة بين هذين السورين تعرف باسم (بين السورين).



وجدت الأسوار حول المدن لحمايتها من الهجمات الخارجية وهو أسلوب أتبعه اليونان, وضمن السور وجدت الأبواب للدخول والخروج من وإلى المدينة , ويعتقد الباحثون في تاريخ دمشق أن سور المدينة قد تواجد حولها منذ العهد الآرامي وبعده اليوناني.
وعندما سيطر الرومان على دمشق عام 64 ق.م عمدوا إلى تجديد الأسوار وإعادة بنائها فأحاطوا المدينة بسور حجري تضمن سبعة أبواب نسبة للرقم (7) وهو رقم ذو قدسية عند كثير من الشعوب وهذه الأبواب هي :

في شمال المدينة : باب الفراديس – باب الجنيق – باب توما.
في شرق المدينة : الباب الشرقي , وفي غربها : باب الجابية , وهما بابان ذو ثلاث فتحات , في الوسط بوابة كبيرة وعلى جانبيها بوابتان أصغر حجماً متصلتان سوية بالشارع المستقيم والذي يبلغ طوله حوالي 1500م .
في جنوب المدينة : الباب الصغير – باب كيسان.
( مع ملاحظة اختلاف تسميات الأبواب عبر العصور )
ومع قدوم الفتح العربي لدمشق سنة 14هـ بقي السور والأبواب على حالها دون أن تتأذى لأن دخول العرب المسلمين للمدينة كان صلحاً, وفي العهد الأموي الذهبي أخذت المدينة بالتوسع خارج الأسوار وظهرت أحياء وضواحي جديدة في سفوح جبل قاسيون وعلى ضفاف نهر بردى.
وفي عام 132 هـ كان سقوط دمشق بيد الجيش العباسي وقام قائد الجيش عبد الله بن علي ( عم الخليفة أبو العباس ) بمجزرة في المدينة نبش خلالها قبور الأمويين وأحرق جثثهم وهدم جزءً من سور المدينة وخرب أجزاء أخرى, وهكذا أهملت الأبواب والسور ولم يسمح بترميمها حتى قدوم العهد السلجوقي الذي أولى السور والأبواب الاهتمام الخاص فأنشئت قلعة دمشق عند الزاوية الشمالية الغربية من السور عام 741 هـ/1078م ورممت الأسوار وحصنت وهكذا صمدت المدينة أمام ثلاث حملات صليبية فشلت جميعها في اقتحام سورها.
وفي عام 549 هـ / 1154م كان دخول السلطان نور الدين محمود الزنكي لدمشق واستلامه للحكم فيها فقام بعملية تحصين شاملة للمدينة ورمم ما تهدم من سورها وأبوابها نتيجة الحملات الصليبية والفتن الداخلية , وأقام الأبراج المستديرة على السور وقام بفتح أبوب جديدة كباب الفرج وباب السلامة كما قام بسد أبواب أخرى كباب كيسان وجزء من الباب الشرقي.
وقد بنى نور الدين لكل باب من الأبواب مسجداً مع مئذنة تعلوه يمكن من خلالها مراقبة الأعداء من الأعلى, كما جعل على كل باب من الجهة الخارجية سوقاً صغيراً متعرجاً يسمى (باشورة) وذلك بهدف عرقلة دخول الأعداء للمدينة فضلاً عن تنشيط الحركة الاقتصادية في منطقة الأبواب , كما قام نور الدين بتوسيع سور المدينة الممتد بين باب الفرج وباب الفراديس ليكون السور الجديد محاذياً للنهر وهذا أدى لنشوء حي بين السور القديم والجديد يسمى بين السورين.
وفي العهد الأيوبي رممت وجددت بعض الأبواب والأبراج لدرء الخطر الصليبي , واستمر حال السور والأبواب في العهد المملوكي مع إدخال بعض التعديلات والترميمات عليه حسب الحاجة.
ومع قدوم العهد العثماني عام 922 هـ / 1516م ونظراً لمنعة الدولة العثمانية وسعة انتشارها وزوال الخطر الصليبي القريب فضلاً عن انتشار وسائل الحرب الحديثة المتمثلة باستخدام البارود أخذ الاهتمام بالسور والتحصينات يتلاشى وتعرض السور للإهمال واستخدمت أجزاء من في بناء المباني الرسمية في أمكان أخرى من المدينة وأنشئت الدور والمساكن على أجزاء منه وزالت أجزاء أخرى.
وقد تعرض السور والأبواب عبر الزمن لكثير من الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات إضافة لما أحدثه البشر من تخريب ,وفي القرن العشرين أجريت عدة ترميمات طالت عدداً من الأبواب , واليوم إذا ما نظرنا لهذا السور نلاحظ المستويات الدنيا منه مبنية بحجارة كبيرة الحجم بعكس المستويات العليا التي يصغر حجم حجارتها , ذلك أن كل سوية تعبر عن المرحلة التي أنشئ بها, والسويات الدنيا في الغالب رومانية أما السويات العليا فتعود للعهود الإسلامية اللاحقة.
وأفضل أجزء السور هي المنطقة الممتدة من باب السلامة ولغاية باب توما, وتليها المنطقة الممتدة من باب توما لغاية باب كيسان, ويمكن للباحث أن يجد بعض القطع والأجزاء المختفية بين الحارات في مناطق أخرى حول المدينة القديمة .
ومن أهم الأبراج الموجودة حالياً برج نور الدين الشهيد (منطقة السنانية ) أنشئ في عهد السلطان نور الدين عام 564 هـ/1168م وأعيد ترميمه في العهد المملوكي, وبرج الملك الصالح أيوب ( منطقة باب توما ) أنشئ في العهد الأيوبي عام 646 هـ / 1248م .
وحديثاً أعيد الكشف عن برج أيوبي قبالة الباب الشرقي ضمن النفق المحدث هناك, كما ظهرت قاعدة برج إلى القرب من باب كيسان (دوار البيطرة ) خلال عمليات إظهار سور دمشق في تلك المنطقة وظهر إلى جانبه لوحة حجرية تشير إلى السلطان نور الدين الزنكي.

سوق الحميدية


سوق الحميدية








ظل سوق الحميدية يحمل اسمه القديم رغم تعدد الأسماء في الأزمنة السابقة بعدما داهمته الحرائق مرات عدة. وحينما اندلعت النيران في المنطقة الجنوبية من السوق إثر قصف الطائرات الفرنسية، أصبحت المنطقة تحمل اسم “الحريقة” بعد أن كان اسمها “سيدي عمود” نسبة إلى اسم شيخ ولي كان ضريحه قرب عمود حجري ضخم. وخلال سنوات عديدة اتضحت قدرة تجار السوق على حماية قيمته التجارية وتحقيق استمراريته رغم تعرضه للدمار، لذلك حافظ على حركة تجارية متميزة بتنوعها وجودة بضاعتها، فبقي السوق الأكثر شهرة من الأسواق الأخرى.

وفي الخمسينات والستينات، وخلال فترة الوحدة السورية المصرية، حقق السوق شهرة واسعة، بعدما انتقلت بضائعه إلى المدن المصرية، لكنه الآن يدخل منافسة شديدة مع الأسواق الحديثة بعدما اتسعت المدينة خارج سور القلعة القديم. ولأن سوق الحميدية ينتمي إلى القرون السابقة، جاءت التعديلات الجديدة التي شملت أكثر أسواق دمشق الأثرية لتعيده إلى ماضيه وتبرز عواميد محلاته وتيجانها وحجرها العتيق، وتلغي مظاهر العشوائية، وتحقق شكلاً موحداً للواجهات المتجاورة.

من الباب الرئيسي الواسع يتم الدخول إلى السوق بعد انتهاء شارع النصر المبني خارج السور التاريخي. وداخل الحميدية يغيب ضوء النهار وتسطع أنوار الكهرباء لتبديد ظلام يقبع تحت السقف الحديدي المرتفع بما يعادل 15 متراً فوق طابقين، مما يتيح للمحلات أن تستقبل زبائنها في الطابق الأرضي أو في الطابق الأول، بينما بعض المحلات أصبح من ثلاثة طوابق مملوءة بأنواع عديدة من البضاعة المهيأة للعرض.

عواميد أثرية: لا تدخل السيارات إلى هذا المكان القديم المخصص لاستقبال السياح والزبائن. ولا تتواجد الأرصفة حالياً بعد عملية التجديد الأخيرة، وحجر “اللبون” يرصع الأرض من أول السوق إلى آخره حيث تظهر منطقة “المسكية” وهي تفتح أفقها على ضوء النهار، فيما عواميد أثرية تظلل بسطات الألعاب والكتب المدرسية ومحلات القرطاسية المالئة سوق المسكية، ليبدو الباب الرئيسي للجامع الأموي الكبير مشرعاً أمام الوافدين من المصلين والزوار والسياح.

وعلى امتداد 610 أمتار تتوزع محلات سوق الحميدية، فيما عرضه لا يتجاوز 16 متراً، لذلك يبدو مكتظاً في أكثر أوقاته، وتبدو حركة البيع داخله لاهثة وسريعة حينما يأتي موعد الإغلاق في المساء، وتبدأ الظلمة في التسرب من شقوق السقف المكون من الحديد وصفائح التوتياء بعدما كان مصنوعاً من الخشب في حقبة زمنية قديمة.

مضى أكثر من قرنين على بناء القسم الأول الغربي من سوق الحميدية، كما تؤكد الوثائق القديمة. بني السوق ليكون بديلاً لسوق “الأروام” في عام ،1780 وليحمل اسم سوق “الجديدة” وهو يمتد بين باب النصر وسوق العصرونية وذلك أثناء فترة الوالي محمد باشا العظم في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الأول. وجرى بناء القسم الثاني الشرقي الممتد من سوق “العصرونية” إلى باب البريد الملاصق للجامع الأموي في عام ،1883 وكانت فترة الوالي راشد باشا في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. ومن اسم السلطان تم اشتقاق اسم السوق “الحميدية”. غير أن خريطة شرطة دمشق في تلك الفترة، صدرت في مناسبات عديدة ابتداء من عام 1922 وهي تطلق على السوق اسم “الأروام” بينما خريطة بلدية دمشق صدرت قبل ما يقارب عامين لتعطي السوق اسم “الحميدية” فترسخ واستمر حتى الفترة الحالية بعد إلغاء الاسم الأول “الجديد” وإلغاء الاسم المرادف “الأروام”.

ومنذ بدايات نشأة السوق وعلى امتداد سنوات عديدة، تجددت ملامحه وتغيرت إثر الحرائق المتتالية. في عام 1911 حدثت الحرائق الأولى المجهولة الأسباب حتى الآن. وكان السوق يمتد داخل مساحات واسعة جداً حينما قرر جمال باشا بعد الحرائق الأولى أن يهدم شارع النصر الباقي حتى الآن، ليكمل سوق الأروام الحميدية، ويكشف بقايا بناء السوق حول الجامع الأموي، وحينما بدأ بتقويض بعض الأبنية توقف مضطراً بعدما استعرت نيران الحرب العالمية الأولى وأدخلت الدولة العثمانية في أتونها سنوات عدة، ليعيد أصحاب العقارات المهدومة بناءها بعد بدء انسحاب الجيش العثماني من دمشق. لكن جاء حريق عام 1920 ليمتد من السوق إلى خان الجمرك ومنطقة “العصرونية”، فتجددت عملية البناء، لكن رغم كل هذه التغييرات ظل السوق محافظاً على اسمه العثماني الأصل وبقي معروفاً باسم سوق الحميدية بين الناس مما دفع لتغيير اسم السوق في خريطة ووثائق بلدية دمشق.

الوثائق المصوّرة: تاريخ مدوّن على صفحات الأزمنة، ومن خلاله برز الشكل الجديد للسوق بعدما ظهرت وثائق مصوّرة عام ،1890 وعليها عبارة “بازار” ومعنى الكلمة في اللغة التركية “السوق” وقد ظلت تستعمل مع عبارات تركية كثيرة في المدن السورية القريبة من الحدود التركية فترة طويلة بعد انتهاء الحكم العثماني. وأصبحت هذه الوثائق المصوّرة لشكل السوق في الماضي دليلاً جديداً يحدد شكل السوق باعتباره الأقدم في دمشق.

بدا السوق أمام المهندسين قبل فترة وجيزة، بدون هوية أثرية. صور وثائق عام 1890 تشير إلى جماليات عتيقة، والشكل الحالي يؤكد على العشوائية والفوضى. بضائع وألبسة وأقمشة وقطع فولكلورية وغيرها، تتناثر على الواجهات وتملأ الأرصفة، واللوحات المضاءة متعددة الأحجام ومختلفة في الخطوط، والمحلات تضع البضائع فوق بسطات تملأ طريق المشاة فتتجاوز الأرصفة وتحتل مساحات واسعة لتخفي ما بقي من أجزاء أثرية بسيطة. ومع المساء يحين موعد الإغلاق ويبدأ أصحاب المحلات في تكديس بضائعهم داخل محلاتهم ليتم إخراجها في صباح اليوم التالي. إنه شكل تجاري غير منظم، ويجب أن يعود السوق إلى شكله التاريخي طالما أنه مخصص للسياحة والبيع في وقت واحد، إذ يستمر في استقبال السياح ليطلعوا على معالمه وهم لا يتوافدون من أجل شراء البضائع، لأنهم يمرون عبره ليصلوا إلى الجامع الأموي الكبير الموجود داخل برامج الزيارات السياحية إلى دمشق دائماً.

وخلال فترة لا تزيد على خمسة أشهر أنجزت ورشات البناء والصيانة مهماتها في السوق بدون أن تعرقل عمليات البيع وحركة السياحة، فاختفت المظاهر العشوائية، وبدأ المكان ينبئ عن توحده الشكلي بلافتات متساوية في الحجم، وبضائع معروضة بتنظيم شديد داخل المحلات،وأضواء تنثر جمالياتها، فاستعاد السوق ماضيه الأثري وأصبح أكثر جاذبية أمام الأنظار وهو يبرز التيجان والعواميد الصخرية بلونها الأصفر الداكن، ولكن الإحساس بالتنافس تضاءل لدى البعض لأنهم لا ينثرون بضائعهم من الألبسة الملونة والقطع الأثرية والمصنوعات اليدوية على الواجهات أمام الزبائن والسياح. ويشير كثيرون الى أنهم يدخلون في عملية تنافسية مع الأسواق الحديثة الأخرى التي بنيت في أنحاء المدينة بعد إزالة أحياء سكنية عديدة، ومنها سوق الحمراء الحديث وسوق الصالحية القديم وأسواق باب توما والقصاع القديمة والحديثة، بينما الحميدية ينافس هذه الأسواق لأنه الأول والأساسي والأكثر تنويعاً في بضائعه المعروضة أمام الزوار، حسب آراء عدد من تجاره والبائعين في محلاته.

تنافس الأسواق: حول طبيعة التنافس الموجودة داخل الأسواق بشكل عام، يقول التاجر وائل بركات الموجود في السوق منذ صغره: “التنافس مستمر أيضاً بين كل محلات سوق الحميدية، ومنذ صغري أعرف أن الجيران ينافسون بعضهم بتخفيض الأسعار دائماً ومنع الزبون من الانتقال إلى المحل المجاور، ولكنه تنافس لا يؤدي إلى خصام أو اعتراض. ومن القديم تعلمت أن أنظر إلى المحلات المواجهة وأعرف ماذا يريد الزبون، وحينما يخرج أشجعه على دخول المحل وأنا أؤكد له بأنني سأقدّم له أنواعاً جيدة ورخيصة الثمن وأفضل من البضائع التي شاهدها قبل قليل”.

وعن الاختلاف بين السوق في الزمن القديم والسوق حالياً من ناحية المكانة والشهرة، يقول: “إن الاختلاف أصبح يكبر مع تقدم السنوات. أيام الوحدة بين سوريا ومصر كان الأشقاء المصريون يأتون أولاً إلى الحميدية، ثم يزورون الأسواق الأخرى التي لا تستطيع مضاهاة الحميدية بتنوع بضائعها. وفي السنوات الحالية استطاع السوق أن يستوعب البضائع الجديدة لينافس الأسواق الأخرى، ويظل متميزاً ليحافظ على زبائنه”.

ويقول التاجر أحمد شلق إن كلام جاره صحيح ومنطقي، ولكن السوق مازال يحمل شهرته القديمة. ويضيف: “اسأل في بيروت أو القاهرة أو أي بلد عربي عن أهم الأسواق الدمشقية وسيقول الجميع حتماً انه سوق الحميدية. الآن زبائننا من الخليج العربي ولبنان. الستائر السورية ملأت البيوت اللبنانية بكل الأنواع، والألبسة انتقلت إلى هناك، وكل يوم أحد يزورنا عدد كبير من اللبنانيين مستغلين عطلتهم الأسبوعية، ليملأوا الحقائب”.

ويشير رائد خربوطلي، وهو صاحب محل متخصص في الستائر ومفروشات غرف النوم الى أن السوق يستقبل الزوار من دمشق والمحافظات الأخرى أيضاً. ويضيف بتأكيد: “وفي الحقيقة أننا في الحميدية لا ننافس محلات الحمراء والصالحية وباب توما والقصاع فقط. إننا ننافس بعضنا البعض. لا يستطيع واحد منا أن يرفع أسعاره لان جاره لا يرفع الأسعار. في الماضي كان السوق هو الأول في دمشق، وكان بين التجار ما يشبه الاتفاق الضمني، على وضع أرباح محددة للبضائع التي نشتريها من المصانع، أو نصنعها في مصانع خاصة. حالياً صار السوق واحداً من أسواق عديدة، ورغم تحوّل سكان دمشق من مليون إلى ما يقارب الستة ملايين بحكم الهجرة أو الإقامة الدائمة، نشعر بأن علينا أن ننافس الأسواق وننافس بعضنا، وهذا يعود لصالح زبائننا بالطبع”.

ويظل اسم سوق الحميدية مقترناً بدمشق مهما اتسعت الأزمنة أو تطورت وسائل التجارة أو تعددت الأسواق المنافسة.

قلعة دمشق


قلعة دمشق









أنشئت قلعة دمشق في عصر الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب شقيق السلطان صلاح الدين الأيوبي وخليفته. ولقد أقامها مكان قلعة سلجوقية أنشئت عام 469هـ/1076م وكانت قلعة هامة استفاد منها نور الدين بن زنكي وصلاح الدين الأيوبي في حماية دمشق من تهديد الصليبيين عام 542هـ/1148م. وفي دعم منعة الحكم وسياسة البلاد. ثم توهنت وهدمت بسب الزلازل والحروب. ولقد تم الكشف عن أقسام كثيرة منها عندما تمت عملية ترميمها سنة 1985م.

ويؤكد وجود هذه القلعة السلجوقية أقوال المؤرخين، وما تبقى من منشآت أهمها البرج الشمالي الذي جدده صلاح الدين عام 585ه/1188م كما ورد في الكتابة عليه. وفيها دفن أولاً نور الدين وصلاح الدين ثم نقل جثمانهما إلى قبريهما في دمشق القديمة.(الكلاسة)
تبلغ مساحة القلعة 33176م2 وهي ذات شكل مستطيل ذي أضلاع غير مستقيمة ويبلغ طولها 240-250م وعرضها 165-120م. ويحيطها من الخارج سور منيع ذو أبراج مربعة ضخمة يبلغ عددها 12 برجاً، وتعلو الأسوار رواشن من الحجر النحيت وينفتح في جسم أسوار القلعة أربعة أبواب، الباب الحديث في الشمال وأمامه جسر والباب الشرقي وهو المدخل الرئيسي، بابان للسر ذات جسور متحركة فوق الخندق في الغرب وفي الجنوب. ويحيط بالقلعة خندق تم توسيعه عام 612-614هـ/1214-1216م وهو بعرض 20 متراً وقد يصل إلى 5 أمتار، وقد ردم الخندق إلا من الجهة الشمالية حيث أصبح مجرى لنهر العقرباني.
لقد تم تشييد القلعة بصورة متتابعة برجاً فبرج، وقد ساهم أولاد الملك العادل بهذا العمل، وكان أول برج أنشئ عام 598هـ/1202م هو البرج الجنوبي الغربي الذي تهدم ثانية عام 1280هـ/1863م، واستغرق بناء الأبراج والأسوار خمسة عشر عاماً، وهي مبنية من الحجر الأبيض البارز، وعند الترميم اللاحق استعملت أحجار منحوتة أو غشيمة أصغر حجماً.

وكان في القلعة عدد من المنشآت الهامة، مسجد أبي الدرداء والقصر ودار المسرة ودار رضوان والبركة والطارمة وهي قاعة في أعلى البرج الشمالي الغربي أزيلت. كما زالت أكثر هذه المنشآت.
لقد كانت القلعة منذ بداية إنشائها، حصناً عسكرياً هاماً، وكانت مقراً للسلاطين الأيوبيين، وفيها كانت تمارس جميع النشاطات السياسية والاجتماعية، فكانت مدينة محصنة فيها القصور والحمامات والمساجد وفيها دفن عدد من الملوك ثم نقلت رفاتهم إلى خارج القلعة .
وفي العصر المملوكي 659-922هـ/1260-1516م أصبحت القلعة مقراً لنواب السلطنة إذ أصبحت القاهرة هي العاصمة، وكان الملوك المماليك يقيمون فيها عند قدومهم إلى دمشق. ثم صار للقلعة نائب خاص مستقل عن نائب السلطنة.
وقد لعبت القلعة دوراً هاماً في الدفاع عن المدينة وبخاصة عند غزو التتار عام 658هـ/1259م. ولكنها سقطت أمام عنف ضربات المنجنيق التي أتت على البرج الغربي - الجنوبي، ويصف أبو شامة هذا الحصار العنيف وهذا التخريب الخطير.
وقد عني الملك الظاهر بيبرس بترميمها، فقد كان كثير التردد والإقامة فيها لقيادة معاركه ضد الصليبيين والتتار. وعندما توفي عرض جثمانه فيها ثم نقل إلى المدرسة الظاهرية.

ولقد استعملت أسلحة مختلفة للدفاع عن القلعة، من أهمها المنجنيق الذي يقذف الحجارة الكبيرة، والمكحلة أو المدفع الذي يستعمل كحل البارود، ثم قوارير النفط والنشاب.
ولم تكن القلعة في حالة السلم إلا مدينة مكتفية، ففيها سكانها وجنودها والموظفون والفقهاء، ولها صندوق مال مستقل وفيها مخازن للمؤن وسجن ومسجد وطاحون عدا القصور والبيوت.
وفي العصر العثماني أصبحت القلعة مقراً للانكشارية والدالية ويرأسها آغا القلعة ومهمته استقبال وتوديع الوالي. وقد استخدمت القلعة سجناً ومعقلاً وكانت مجالاً للفتن والاختلافات ثم أصبحت المقر الوحيد للحامية العسكرية إن أهم منشآت القلعة وعناصرها الدفاعية هي الأبراج والبدنات بينها والممرات الدفاعية والمرامي والرواشن والسقاطات والشراشيف والخندق والجسور المتحركة.
أما أهم المنشآت المدنية التي مازالت حتى الآن فهي جامع أبي الدرداء وهو قاعة واسعة تتصل بالبرج الشمالي المتوسط، وإلى جانبها إيوانان صغيران. ويعلو القاعة قبة وفي الحرم ضريح ينسب إلى الصحابي أبي الدرداء.
أما القصر فهو بناء كبير يمتد خلف الممر الدفاعي الجنوبي بطول 80 متراً. ومن طابقين بارتفاع 15.5 متراً، ومن ستة أواوين في كل طابق وتسقف القاعة بعقود متقاطعة.
والقاعة الطويلة "القصبة" تمتد من الشرق إلى الغرب مؤلفة من قاعة أولى مؤلفة من ستة معازب موزعة على جناحين، ومن قاعة ثانية مؤلفة من تسع معازب مسقوفة بعقود متقاطعة ولها أربعة أبواب وثمة قاعة مؤلفة من تسع معازب تعلو المعزبة الوسطى قبة، وقد أطلق دارفيو على هذا البناء اسم القصبة
أما القاعة الرباعية فهي مؤلفة من أربع معازب ولعلها سلجوقية كانت القلعة مرئية من جميع جهاتها. إذ كان الخندق وجيبة جيدة تحيطه مناطق وطرقات خالية. ففي الشمال كانت منطقة أصبحت سوقاً للسروجية الذي هدم قسم منه عام 1970م، وفي الغرب كان طريق يوازي الخندق وصفه بورتر عام 1850 م ثم ردم الخندق وأنشئ سوق الخجا، وفي الجهة الشرقية ردم الخندق في أواخر العصر العثماني وأقيم فوقه سوق العصرونية الذي أزيل عام 1983م ، والتصقت بجدار القلعة محلات تجارية باستثناء باب القلعة الذي أصبح بابا للسجن، ولقد أزيلت هذه الدكاكين في نهاية عام 1983م . أما من جهة الجنوب فلقد كان سوق الأروام يحاذي الخندق ويترك مجالاً لظهور أجمل واجهات القلعة، إلى أن تم ردم الخندق وأقيم سوق الحميدية والمحلات التجارية على امتداد سوق القلعة دون أن تلتصق به , ومنذ عام 1982 وحتى 1985 م تمّ إخلاء القلعة من الأبنية المضافة , وتم إجراء أسبار وتنقيبات في ساحة القلعة. وتم إعادة بناء البرج الجنوبي الغربي كاملاً وترميم الأسوار الشمالية، وإبراز أجزاء القلعة السلجوقية المتقدمة، وقد تم ذلك في عام 1988م.



ساحة المرجة













ساحة المرجة :
يطلقون عليها عاصمة العاصمة وأم الميادين والساحات العامة الدمشقية والمكان الذي يجمع الأضداد والتناقضات من العمارة القديمة والحديثة إلى مختلف طبقات المجتمع الدمشقي، من الفقير إلى الثري ومن المتسول حتى البائع البسيط وأصحاب المحلات الكبيرة مروراً بتجار العملة الصعبة وسماسرة الفنادق.. إنها «ساحة المرجة» أقدم وأول ساحة عرفتها دمشق المعاصرة مع بدايات القرن العشرين المنصرم. و«ساحة المرجة» بتاريخها الحافل وتناقضاتها العجيبة وموقعها الاستراتيجي المميز وسط دمشق مع الأسواق المتفرعة عنها، جعلها مكاناً يجمع الخيال مع الموقع ويقدم قراءة لمفردات الحياة الدمشقية، لتأتي الساحة متفردة بكل شيء ومتميزة عن كل ساحات وميادين دمشق.



ففي المرجة ينتصب العمود الشهير الذي بُني مع تأسيس الساحة قبل مائة عام، وبُني على هذا العمود مجسم لجامع هو الأصغر في العالم، وجاء هذا العمود والمجسم تذكاراً لتدشين الاتصالات بين دمشق والمدينة المنورة في أواخر العهد العثماني ومتزأمناً مع إطلاق الخط الحديدي الحجازي ومحطة القطارات المجاورة لساحة المرجة، وقد أقيم العمود والنصب التذكاري سنة 1907، أيام الوالي العثماني حسين ناظم باشا ولا يزال إلى اليوم. وقد صمم هذا النصب فنان إيطالي وقام بتنفيذه من معدن البرونز، كما أقام فوقه نموذجاً دقيقاً لجامع يلدز في العاصمة اسطنبول.




كما شهدت المرجة أحداث سياسية مهمة وكوارث طبيعية، فبعد سنوات من تأسيسها شهدت قيام جمال باشا السفاح بإعدام رجالات سوريا ولبنان في 6 مايو (أيار) من عام 1916، وقد أطلق على المرجة في ما بعد اسم «ساحة الشهداء»، كما شهدت إعدام أبطال الثورة السورية الكبرى (1925 ـ 1927)، الذين كانت فرنسا تلقي بجثثهم في ساحة المرجة بغية نشر الرعب في النفوس ـ كما يقول المؤرخ الدكتور قتيبة الشهابي. ومن الكوارث الطبيعية التي شهدتها الساحة طوفان نهر بردى المتكرر الذي كان يسمى (الزورة أو الفيضان)، إثر الأمطار الغزيرة، حيث تغمر الساحة والأسواق المجاورة. وقد كان نهر بردى في بدايات القرن التاسع عشر يتفرع في هذه الساحة إلى فرعين يحتضنان جزيرة صغيرة غنية بالأشجار، كان يطلق عليها البعض اسم الجزيرة أو بين النهرين ومن ثم أطلقوا عليها المرجة، بسبب غناها بالأشجار وحالياً وبعد جفاف نهر بردى لم يبق من الساحة سوى ممر النهر الذي قامت محافظة المدينة بتزيينه بالبورسلان وأنشأت حديقة صغيرة جميلة غرست فيها الأزهار والورود الشامية وزينت بنوافير المياه تحيط بالعمود التذكاري، كما أنشأت في وسطها جسر للمتنزهين وطوقت الساحة بسوار حجري مزخرف جميل.




وكون المرجة تشكل قلب دمشق، ظلت لعقود في القرن الماضي المكان الرئيسي لانطلاق حافلات النقل الجماعي إلى المدن السورية وإلى حارات وريف دمشق، حتى أن الساحة تؤرخ عبر ما مر عليها من آليات ووسائل نقل حركة النقل الداخلي والخارجي في دمشق. فبعد انتشار عربات الخيل (الحنتور)، أصبحت المرجة محطة لعربات الخيل السوداء تنقل الناس إلى أحيائهم في المدينة وإلى الضواحي، وكانت هذه العربات تقف حول الحديقة الصغيرة التي تحيط بالعمود التذكاري. كما أن المرجة شهدت الانتشار الأول للأتمتة الآلية بدخول الترام أو الحافلة الكهربائية (الترامواي) إليها سنة 1907، ومن ثم السيارة التي دخلت إليها عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى (1918)، وكان الدمشقيون يسمونها (أوطونبيل)، إلى جانب سيارات الأجرة الكبيرة التي كانت تؤمن السفر إلى خارج المدينة وتعرف بالبوصطة، وسيارات القاطرة والمقطورة للنقل عبر الصحراء (شركة نيرن) وغيرها، ثم حافلات النقل الداخلي ضمن المدينة التي بدأت بالسير منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945. وفي خمسينات القرن الماضي أصبحت المرجة المكان الرئيسي لانطلاق (تكاسي) السفر الجماعي إلى جميع المدن السورية، حيث تحولت محلاتها الكبيرة إلى مرائب خاصة بكل مدينة تنطلق منها وغدو إليها سيارات الركوب الصغيرة، فكان جميع السوريين القادمين إلى العاصمة دمشق يحطون رحالهم في ساحة المرجة قبل أن يستقلوا الترامواي أو حافلة النقل الداخلي في ما بعد ليذهبوا إلى مقاصدهم في العاصمة. وقد انتهى دور المرجة بشكل نهائي كمرآب رئيسي مع سبعينات القرن الماضي عندما تأسست مراكز انطلاق حديثة في ساحة العباسيين والقابون ومن ثم حرستا، لكن بقيت العديد من محلاتها تذكر بدور الساحة كمرآب من خلالها تحولها لمكاتب سياحة وسفر. وفي الجانب العمراني بالساحة، فإن المرجة تضم عشرات الأبنية المختلطة ما بين العمارة القديمة والحديثة، العمارة الشرقية والأوربية، فالمرجة شهدت تأسيس فنادق دمشق الحديثة أوائل القرن الماضي بعد انتهاء دور الخانات المعروفة كأماكن لنوم زوار دمشق، كما عرفت المرجة أول دور السينما في دمشق، حيث تأسست فيها سينما زهرة دمشق (سينما باتيه) عام 1918، وأغلقت سنة 1928، ومن ثم تأسست سينما الاصلاح خانة عام 1921، وسينما الكوزموغراف ومن بعده صارت سينما: غازي وسنترال وفاروق والنصر. وانتشرت فيها ولا تزال المقاهي، ومن أقدمها مقهى الكمال وعلي باشا والورد، وشهدت ولادة المسارح الدمشقية، ومنها مسرح زهرة دمشق والنصر ومسرح القوتلي الذي أسس في بدايات القرن العشرين وانتهى بحريق سنة 1928، وكان يغني فيه مشاهير المطربين.




ويشاهد في المرجة أبنية ذات طرز متعددة كدار البلدية والسرايا الجديدة والصيدلية ومبنى العابد (ما زال قائماً حتى الآن)، حيث تلاحظ أنماط العمارة (كالباروك والروكوكو)، وانتشار أبنية خليط ما بين الطراز الأوروبي المتأثر بالفن اليوناني أو الأوروبي مع بعض اللمسات العثمانية كمبنى العدلية والبريد والبرق.




والمرجة حالياً التي ما زالت مترسخة في تراث الدمشقيين، خاصة في تلك الأهزوجة الشعبية الجميلة التي تتردد باستمرار في العراضات الشامية والمسلسلات التلفزيونية والتي تقول: (لاقونا عاالمرجة والمرجة لينا.. شأمنا فرجة وهي مزينة).. فالمرجة ملتقى جميع الدمشقيين والسوريين حتى الآن وهي حالياً خليط غريب تجمع محلاته كل أنواع المهن، خاصة تلك التي تعرف بها المرجة حالياً ومنها محلات بيع الحلويات الدمشقية الفاخرة ومحلات بيع المكسرات، خاصة الفستق الحلبي، حيث تباع أجود المكسرات في هذه الساحة وهناك المطاعم والمقاهي الشعبية ولعل أشهر الأطباق التي تقدمها هي أطباق التسقية (فتة الحمص الشامية الشهيرة)، التي تقدمه مطاعم المرجة صباحاً ومساء، كذلك تخصصت المرجة باحتضانها لمكاتب المترجمين المحلفين الذين يقومون بتحضير المعاملات القانونية لمن يطلبها والمراد استخدامها في الخارج وترجمتها لكل لغات العالم الحية، كما تنتشر في المرجة محلات بيع الشرقيات والتحف والمصنوعات اليدوية الدمشقية والآلات الموسيقية وغيرها.. ولعل المرجة حالياً المكان الوحيد في دمشق الذي لا ينام، حيث تنتشر فيها الفنادق الشعبية والفخمة وعلى أرصفتها يظل باعة الدخان على البسطات مستيقظين ليلاً نهاراً كما لم يتأخر بائعو أجهزة الخليوي من الاستفادة من شهر ساحة المرجة فوضعوا بسطاتهم على أرصفتها يبيعون ويشترون الأجهزة المستعملة.




أبواب دمشق



أبواب دمشق


جاء في (معجم البلدان) لياقوت الحموي إن أول حائط وضع في الأرض بعد الطوفان هو حائط (دمشق). و قد كان لسور المدينة سبعة أبواب في العهد الروماني، أما على السور الغربي فإن الأبواب كانت تزيد وتنقص بين الحين والآخر كلما جدد السور فتسد أبواب وتفتح أبواب أخرى.

يروي المؤرخ حسن البدري في كتابه (نزهة الإمام في محاسن الشام) وصفاً طريفا لأبواب دمشق القديمة وعلاقتها بالكواكب فيقول: كانت صور الكواكب على هذه الأبواب، زحل على باب كيسان، والشمس على الباب الشرقي، والزهرة على باب توما، والقمر على باب الجنيق، وعطارد على باب الفراديس، وصورة المشتري على باب الجابية، أما المريخ فعلى الباب الصغير.

حاليا اختفت بعض الأبواب وحلت مكانها أبنية أو طرق أو أسواق وأبواب سور دمشق على مر العصور لم تتجاوز العشرة أبواب, و هذه الأبواب هي: باب شرقي، باب توما، باب الجنيق، باب السلام، باب الفراديس، باب الفرج، باب النصر، باب الجابية، باب الصغير، باب كيسان.‏



باب شرقي : يقع على الجهة الشرقية من سور المدينة، وينتهي عند الشارع المستقيم الواصل بينه وبين باب الجابية بني في العهد الروماني أوائل القرن الثالث للميلاد وجدد في عهد نور الدين زنكي سنة 1163م كما جدد بناء المئذنة في عهد السلطان العثماني مراد الثالث قبيل سنة 1582م. ‏
ويتألف الباب من ثلاث فتحات أكبرها أوسطها وسدت هذه الفتحة والفتحة الجنوبية في القرون الوسطى، ولم تبق إلا الفتحة الشمالية التي تعلوها صفوف من أحجار السور ومن أهم الأحداث التي وقعت عند هذا الباب دخول خالد بن الوليد منه إلى دمشق عند الفتح الإسلامي، ودخول عبد الله بن علي حين احتلها العباسيون..



باب توما : يحتل باب توما الجهة الشمالية الشرقية من سور المدينة وهو في الاصل باب روماني نسب الى أحد عظمائهم واسمه (توما)، كانت عنده كنيسة حولت الى مسجد بعد الفتح العربي لدمشق وترتفع على الباب مئذنة، كما توجد عنده باشورة (سوق صغيرة) ذات حوانيت يمكن إغلاقها ليتمكن أهلها من البقاء فيها لدى حدوث الغارات أو إقامة الحصار على المدينة، أعيد بناء باب توما بشكل جيد زمن الملك الناصر داوود 1228، أزيل المسجد الذي كان عنده في بداية العهد الفرنسي، يعتبر باب توما نموذجا من نماذج المنشآت العسكرية الايوبية التي تقدم صنعها تقدما مدهشا في أول القرن الثالث عشر الميلادي، يعلوه قوس مجزوء، وشرفتان بارزتان لهما دور عسكري وتزييني معا، وينسب باب توما كما أورد ابن عساكر الى كوكب الزهرة، ويروى ان عمر بن العاص نزل عليه يوم الفتح الاسلامي لدمشق. ‏




باب الجنيق: لا توجد معلومات وافية عنه، غير انه ذكر في المراجع انه يقع بين باب السلام وباب توما، وقد سد منذ عهد بعيد، وكانت عنده كنيسة حولت الى جامع ثم صار بيوتا للسكن فيما بعد، ومع ذلك مازالت بعض آثاره على جدار السور ظاهرة للعيان ولاسيما القوس الذي كان يعلو الباب ويلاحظ ان عدد ابواب المدينة في الجهة الشمالية اكثر منه في الجهات الاخرى، لعدم امكان توقع هجوم من هذه الجهة وذلك بسبب الحماية التي توفرها قنوات المياه (بردى وفروعه العقرباني و الدعياني) اضافة لصعوبة التضاريس الناتجة عن سفوح جبل قاسيون. ‏




باب السلام: يقع الى الشرق من باب الفراديس على منعطف من السور يجعل اتجاهه نحو الشرق وسمي الباب بالسلام، حسب رواية ابن عساكر «تفاؤلا، لانه لا يتهيأ القتال على البلد من ناحيته، لكثرة الاشجاروالانهار في الجهة الواقع فيها.. وكان الوافدون الى دمشق يدخلون منه للسلام على الخلفاء الامويين»، اختلفت الروايات حول أصله فقال البعض انه من أصل روماني بينما لم يستبعد الاخرون ان يكون نور الدين أول من أنشأه سنة 1164م ثم تهدم فجدده الملك الصالح أيوب سنة 1243، وهو ثاني باب أيوبي انشىء بعد باب توما، ويشبهه بقوسه وكوته وشرفتيه ويمتاز عنه انه لم يرسم في عهد المماليك،ولم يزل في حالة جيدة.. ‏




باب الفراديس : يقع على الجهة الشمالية وسمي بالفراديس لكثرة البساتين أمامه، ويسمى ايضا باب العمارة لوجوده في حي العمارة، أعاد انشاءه الملك الصالح عماد الدين اسماعيل سنة 1241، وهو موجود حاليا في سوق العمارة تحيط به المحال التجارية من جهته الخارجية والمنازل من جهته الداخلية. ‏




باب الفرج : يقع في الجهة الشمالية من سور المدينة، بين العصرونية والمناخلية، فلذلك يسمى احيانا باب المناخلية كما ويسمى باب البوابجية، انشأ الباب نور الدين وسمي باب الفرج لما وجد الناس فيه من الفرج باختصار للمسافة في الدخول والخروج من المدينة، جُدد الباب أيام سيف الدين بن أبي بكر بن أيوب سنة 689هـ وهو باب مزدوج. ‏



باب النصر: لم يعد باب النصر موجودا كسابقه، وكان يقع على الجهة الغربية للسور جنوب القلعة مباشرة من سوق الاورام (بداية سوق الحميدية حاليا من جهة شارع النصر) انشأه نور الدين ثم هُدم أيام الوالي العثماني محمد رشدي باشا الشرواني سنة 1863. ‏





باب الجابية ‏: اختفى حاليا ويقع غرب سور المدينة عند نهاية السوق الطويل (الشارع المستقيم) مواجها الباب الشرقي في الطرف الثاني من الشارع وكان يتألف من ثلاث فتحات اكبرها الوسطى وسمي بهذا الاسم لأنه يؤدي الى قرية الجابية التي تقع في الجولان، وأعاد انشاء الباب نور الدين عام 1164 ثم جدده ناصر الدين داوود بن عيسى ويقال ان أبا عبيدة بن الجراح دخل دمشق من باب الجابية صلحا عند الفتح الاسلامي لها. ‏





الباب الصغير: سمي الباب الصغير لانه أصغر أبواب دمشق، وانشىء صغيرا لخطورة الجهة الجنوبية على دمشق فهي مفتوحةولا توجد أمامها حواجز من الانهار والاشجار كالجهة الشمالية وهويطلق عليه باب الشاغور وقد جدده نور الدين وعليه كتابة بالخط الكوفي تشير الى ان نور الدين رفع حق التسفير عن التجار الذاهبين الى العراق والقافلين منها، جدد الباب ثانية زمن المماليك بيد السلطان عيسى بن الملك العادل، ومن أهم ما وقع على هذا الباب نزول يزيد بن أي سفيان عليه عند الفتح الاسلامي، كذلك دخل منه الملك المغولي (تيمورلنك) سنة 803 هجري. ‏




باب كيسان: من أبواب السور الروماني، يقع حاليا في ساحة (البيطرة) نهاية شارع ابن عساكر من الشرق، قام نور الدين بسده، ثم أعيد فتحه في عهد المماليك سنة 1363م على يد الملك الاشرف ناصر الدين شعبان الثاني ورمم مجددا في عهد الانتداب الفرنسي، وجاءت تسميته نسبة الى (كيسان) مولى الخليفة معاوية بن أبي سفيان الذي اعتقه بعد نزوله على الباب إبان الفتح الاسلامي لدمشق سنة 14هـ/635م وحاليا اصبح الباب مدخلا لكنيسة القديس (بولس) التي شيدت عام 1939 وتروي المصادر التاريخية ان هذه الكنيسة بنيت في المكان نفسه الذي تم فيه انزال (بولس) بسلة من فوق السور، فتمكن من الهرب من بطش الرومان واليهود والوصول الى أوروبا حيث نشر الديانة المسيحية.












أما الأبواب الأخرى فهي أبواب الحارات القديمة، مثل باب السريجة، باب زقاق البرغل، وباب مصلى، وبوابة الصالحية.


الجامع الأموي

الجامع الأموي الكبير
جامع بني أمية في دمشق هو أكمل وأقدم آبدة إسلامية مازالت محافظة على أصولها منذ عصر مُنْشِئها الوليد بن عبد الملك الخليفة المصلح الذي حكم من 86-96ه/705-715م وخلال حكمه كان منصرفاً إلى الإعمار والإنشاء، وكان بناء الجامع من أكثر الأمور أهمية عنده، ولقد استعان في عمارته بالمعماريين والمزخرفين من أهل الشام، ممن كان لهم الفضل في بناء كثير من المباني في دمشق، ولعل منهم من مضى إلى المدينة المنورة في أيام الوالي عمر بن عبد العزيز، وبأمر من الوليد لإعادة بناء مسجد الرسول على طراز الجامع الكبير بدمشق.




























































































لقد أُقيم المسجد الجامع بدمشق بشكل مؤقت، بعد فتح بلاد الشام، في الجهة الشرقية الجنوبية من أطلال المعبد الروماني الذي أُنشئ في القرن الأول الميلادي، وأُنشئ في جدار هذا المعبد أول محراب في الإسلام مازال قائماً صلى فيه الصحابة مع خالد بن الوليد وأبي عبيدة الجراح، القائدان اللذان فتحا دمشق، الأول عنوة، والثاني صلحاً، وأعطى خالد لسكان البلاد عصره بالحفاظ على ممتلكاتهم ومعابدهم ومساكنهم.
وفي عصر معاوية بن أبي سفيان، والياً ثم أول خليفة أموي، كان يصلي في هذا المسجد المؤقت، يدخل إليه من الباب القبلي الروماني، ومايزال قائماً في جدار القبلة.

















































وكان معاوية قد أنشأ لنفسه قصر الخضراء المتاخم لهذا الجدار، وقد أنشأ معاوية في المسجد مقصورة خاصة به، هي أول مقصورة في الإسلام.
إثر زلزال عنيف أتى على المعبد لم يبق قائماً إلا الهيكل ناوس الذي يقع في منتصف فناء واسع محاط بجدار مرتفع تخترقه أربعة أبواب من الجهات الأربعة، وكانت كلها أطلال. وكان يحيطها سور آخر معمد
ولقد استعمل المسيحيون من سكان دمشق هذا الهيكل كنيسة، وكانوا يدخلون من الباب ذاته الذي أصبح يدخل منه المسلمون إلى مسجدهم في الشرق.
ولم يكن من السهل أن يبقى المسلمون في عاصمتهم التي أصبحت تحكم أوسع دولة، وأن يكون مسجدهم مؤقتاً في دمشق وفي القدس.فقام عبد الملك بن مروان بإنشاء مسجد قبة الصخرة، وباشر بإنشاء المسجد الأقصى في المكان الذي صلى فيه عمر بن الخطاب عندما جاء إلى القدس وقدم لسكانها العصرة العمرية.






















































































ولقد أكمل الوليد بناء المسجد الأقصى، وباشر ببناء الجامع الكبير بدمشق، بعد أن اتفق مع أصحاب الكنيسة - الهيكل على أن يقدم لهم بديلها، وهكذا استطاع البناؤون الإفادة من كميات هائلة من حجارة المعبد المتراكمة، ومن أعمدته وتيجانه لإقامة جامع ضخم، يعتمد على التخطيط الذي وضعه الرسول ( عند بنائه لمسجده الأول في المدينة المنورة، وكان هذا المخطط يقوم على تقسيم المسجد إلى بيت الصلاة وإلى فناء مفتوح. لقد استبقى الوليد الجزء السفلي من جدار القبلة أعاد الجدران الخارجية والأبواب، وأنشأ حرم المسجد مسقوفاً مع القبة
.

































































































وأنشأ أروقة تحيط صحن الجامع. وأقام في أركان الجامع الأربعة صومعة ضخمة، كذلك فعل في المدينة المنورة ولكن زلزالاً لاحقاً أتى على المنارتين الشماليتين، فاستعيض عنها بمنارة في وسط الجدار الشمالي، وأصبح للمسجد ثلاث منارات اثنتان في طرفي الجدار الجنوبي، وواحدة في منتصف الجدار الشمالي وتسمى مئذنة العروس.
إن هذه الصوامع المربعة هي أصل المآذن التي انتقلت إلى شمالي أفريقيا والأندلس، نرى تأثيرها واضحاً على مآذن القيروان والكتبية وحسان وإشبيلية.









































































ولم تكن هذه المنارات أو الصوامع موجودة في العصر الروماني، يؤكد ذلك الشبه الكامل الذي نراه بين هذا المعبد ومعبد زفس المسمى حصن سليمان قرب الساحل السوري.
كذلك لم تكن قائمة تلك الصالات الأربع الرحبة، التي تسمى المشاهد والتي أصبحت جزءاً من مقر الحكم الأموي مع أجزاء أخرى غربي وجنوبي الجامع مازالت آثارها قائمة، وكانت مخصصة للبريد وبيت المال والرسائل. ويتحدث المؤرخون عن استقبال الخليفة لموسى بن نصير وطارق بن زياد وقد عادا من الأندلس، وخلفهما ملوك الغوط والأمراء هذا الاستقبال الذي تمّ في الحرم وفي القاعة الغربية، وفي منشآت كانت قائمة في منطقة الغرب التي تسمى اليوم المسكية.













تبلغ مساحة المسجد كله 157×97م وتبلغ مساحة الحرم 136×37م أما مساحة الصحن فهي 22.5×60م وينفتح في الصحن ثلاثة أبواب، باب البريد من الغرب وباب جيرون من الشرق وباب الكلاسة من الشمال. وباب الزيادة من الجنوب وينفتح من الحرم
.
أما الصحن فإنه محاط من جوانبه الثلاثة بأروقة شامخة ارتفاعها 15.35م، ومن الجنوب تنفتح أبواب الحرم التي أصبحت مغلقة بأبواب خشبية تعلوها قمريات زجاجية ملونة مع كتابات
.
وتنهض الأروقة على صفٍ من القناطر المتراكبة، قنطرتان صغيرتان فوق كل قنطرة كبيرة، وتحملها سواري مربعة ضخمة وأعمدة، عمودان بين كل ساريتين في الجانبين ويبلغ عددها مجتمعة 47 سارية وعموداً. وهي تشكل واجهات الأروقة وواجهة الحرم المؤلفة من جبهة ثلاثية ذات نافذة مفتوحة على طرفيها نافذتان دائريتان، وتحت الجبهة واجهة مربعة في وسطها قوس كبير ضمنه ثلاث نوافذ، وترتكز هذه الواجهة على ثلاث قناطر محمولة على عمودين في الوسط، وركنين في الجانبين وتدعم هذه الواجهة من الطرفين دعامتان مربعتان ضخمتان. وعلى طرفي هذه الواجهة تمتد القناطر المتراكبة تسع قناطر إلى اليمين ومثلها إلى اليسار شرقاً.ومن الرواق تنفتح على الصحن 24قنطرة ومن الرواقين الشرقي والجنوبي تسع قناطر.













أما حرم المسجد فهو مؤلف من قناطر متشابهة عددها 24قنطرة تمتد عرضانياً موازية للجدار القبلي، يقطعها في الوسط جناح متوسط يمتد من باب الجبهة الرئيسي وحتى المحراب. ويغطي هذا الجناح المتوسط سقف سنمي في وسطه تنهض قبة النسر المؤلفة من قبة نصف كروية من الخشب المصفّح، ومن قبة ثمانية تنفتح فيها 16نافذة، وترتفع القبة عن أرض الجامع 45م وهي بقطر 16مترا
ً.
وفي حرم الجامع أربعة محاريب، المحراب الأصلي في منتصف الجدار القبلي. وهذه المحاريب مخصصة للمذاهب الأربعة. وفي أعلى جدار القبلة، تنفتح على امتداده نوافذ ذات زجاج ملون. عددها 44نافذة مع ستة نوافذ في الوسط.
ويقوم إلى جانب المحراب الكبير منبر حجري رائع. إن جميع الزخارف الرخامية المنقوشة في المحراب والمنبر وفي المحاريب الأخرى هي آيات فنية، صنعها المبدعون الدمشقيون الذين نقلوا فنونهم إلى أنحاء كثيرة من البلاد العربية
والإسلامية
.
ولقد زينت جدران الحرم بالفسيفساء والرخام، ومازالت أقسام كثيرة من الفسيفساء الأموي قائمة في الحرم من الشمال على الرغم من النكبات الكثيرة التي أصابت المسجد.













ولقد وصف ابن عساكر موضوع فسيفساء الجدار الجنوبي على شكل كرمة ذهبية.
وكانت الأروقة وعضاداتها وقناطرها مكسوة كلها بالفسيفساء الزجاجي الملون، ومازالت أقسام كثيرة باقية في واجهة الحرم وفي الأروقة، ولقد أعيد بعض ما سقط منها، وخاصة قبة الخزنة، التي استعادت زخرفتها الفسيفسائية مؤخراً، وهذه القبة هي غرفة مثمنة تعلوها قبة محمولة على ثمانية أعمدة، كانت تحفظ فيها أموال المسلمين، ثم أصبحت لحفظ المخطوطات الثمينة. ولقد أنشئت هذه القبة في العصر العباسي 780م. وثمة قبة أخرى هي قبة زين العابدين أو الساعات مازالت قائمة، ولقد أعيد مؤخراً 1995 بناء قبة الوضوء العثمانية 1769م التي كانت في منتصف صحن الجامع تحمي بركة ماء للوضوء
.
ويبدو الجامع مهيمناً على مدينة دمشق القديمة بهامته المتجلية بقبة النسر، وبمآذنه الثلاثة التي أقيمت في وقت لاحق فوق الصوامع الأموية التي كانت مجرد بدن دون منارة عليه، كما هو الأمر في الصوامع المغربية. والمئذنة الشمالية هي الأقدم ولقد أضيف إليها منارة في عصر صلاح الدين، ثم في عصر العثمانيين وفوق الصوامع أنشئت المئذنة الشرقية في عصر الأيوبيين ثم العثمانيين، والمئذنة الغربية أنشأها السلطان قايتباي.





























































متحف الجامع الأموي
في ركن الزاوية الشمالية القريبة من الجامع أقيم هذا المتحف عام 1989، ويضم نفائس الجامع القديمة وبعض الأحجار والسجاد واللوحات الخطية الجميلة، مع مصابيح إنارة وقطع فسيفسائية وخزفية وزجاجية ونقود إسلامية وساعات وصفحات من المصاحف المخطوطة القديمة.